المعبد الأبيض في تايلند.

كتاب الرحلات الآسيوية

Asia Travel Book

لاوس تايلند كمبوديا فيتنام 

المعبد الأبيض (وات رونغ خون)

في إحصاء لافت يوجد في تايلند حوالي 32000 معبداً بوذياً منتشراً في المدن الكبيرة والبلدات الصغيرة والقرى والأرياف والحقول الزراعية وغيرها، لكن المعبد الأبيض ويبعد 15 كيلومتراً إلى الجنوب الغربي من مدينة شيانغ راي الواقعة في شمال تايلند، ليس الأكثر أناقة وجمالاً بين المعابد البوذية كلها حسب، بل إن له فرادة الأسلوب وقوة التعاليم البوذية، فضلاً عن أنه يقع على نهر كوك ويوفر اطلالات خلابة على التلال، وقد بدأ العمل به في سنة 1977 وافتتح في سنة 1997 ، وصممه الفنان التايلندي البَصَريُّ الشهير (Chalermchai Kositpipat) وهو من مواليد شيانغ راي، وسوف يقوم - قرباناً لبوذا – بإكمال بنائه من ماله الخاص، بعد وقف التمويل عنه!

وبدا المعبد من بعيد وأنا أركن دراجتي النارية آية من آيات الفن الحديث، لؤلؤة بيضاء تتكسر عليها أشعة شمس الظهيرة، فيشع المعبد المصنوع من الحجارة والرخام الأبيض والجص المزجج، ويشير الزجاج إلى حكمة الرب بوذا التي تضيء في أرجاء العالم. كما طُليَ المعبد كلّه باللون الأبيض أيضاً، ليَدلَّ كما أراد الفنان، على نقاء بوذا ونفوذ حكمته في أعلى درجات من النقاء والروحانية، وصولاً إلى مرتبة الاستنارة.

إن سطوع حكمة بوذا وطاقته الممتدة عبر الكون ونحو نصف مليار معتنق للديانة البوذية، والبعض يسميها فلسفة حياة لا ديانة، جعلتْ من اللون الأبيض رمزاً هادياً لتلجلج الروح بين منعطفات السلام والرغبة والسكينة والشهوة والسعادة!

هنالك جسر صغير لا عودة منه إلى الوراء يؤدي إلى المعبد ويدعى جسر الولادة، شُيّدَ فوق بحيرة تلبط فيها الأسماك الملونة، وفيها تنانين تقذف المياه من أفواهها لا الحمم، تمتد على جانبي الجسر منطقة دائرية تمثل المعاناة البشرية والجحيم، جماجم بشرية معذبة على رقاب مشرئبة، وأواني مرفوعة تطمع بالمزيد، والمئات من أيدي البشر المتحجرة مرفوعة، بعض من أظافرها مصبوغة باللون الأحمر!، طالبة المزيد من متع الحياة وشهوات النفس ورغباتها التي لا انقضاء لها!، تمثالان كيناريان لحماة البشر من الشرور ينتصبان على الجسر، نصف رجل ونصف طير، والكينار مما يَعتقدُ به التايلنديون في أساطيرهم.

يعبر الزائر الجسرَ عبوراً رمزياً في مسار التنوير البوذي من الجحيم الى الجنة، فَكُّ نير الشهوات واتخاذ العقل هادياً، وصولاً إلى غرفة الصلاة حيث صور بوذا التأملية، والحكمة التي تقول إن لدى البشر الطاقة الكاملة في الكفاح من أجل الحصول على أعلى معنى للوجود، فلا توجد عقبات أمام الوصول إلى السعادة القصوى!

تسعة مبانٍ يتألف منها المعبد المحاط بالنوافير الرقراقة، وهي المصلى والمعبد نفسه والصومعة وقاعات الدير والوعظ وإقامة الرهبان والتأمل ومتحف فني ومحرقة الجثث.

ويبقى المكان الوحيد المزخرف بعناية وغير أبيض في المعبد هو الحمّامات، ويمثل الجسم، أراد المصمم من وراء اعطائه لون الذهب، نقد المهووسين بجمع المال والثراء!، يقابله المعبد الأبيض ويمثل العقل!

إلى يمين المعبد ثمة بئر يمكن للزائر أن يرمي فيها قطعة من النقود ويتمنى ما يشاء في الحياة القصيرة!، وأشجار تتدلى من أغصانها رؤوس ووجوه شيطانية ومعذبة، وخرير المياه النازلة من علٍ وراء المعبد صورها الفنان بعناية، وفي طرف المعبد هنالك المحرقة، حيث الإنسان في البوذية ينتقل بعد حرق جثته إلى حياة أخرى وولادة جديدة، متطهراً من أوضار الحياة إلى أن يصل إلى مرحلة الاستنارة الكاملة، وغالباً ما يُذكَّرُ الحاضرون لحرق جثة ميت بأن الحياة مؤقتة، لكن العقل يعيش إلى الأبد!

زخارف الجص المزجج تُظهر عناصر التصميم في المعابد التايلندية الشمالية الكلاسيكية، وبينها أفعى النجا المقدسة في الحضارات الهندية والمصرية القديمة (رمز العلاج والحماية وقدرتها على التجدد في تغيير جلدها) والسقوف ذوات الطوابق الثلاثية، وآيات الفن المنتشرة على شكل زخارف بيضاء اللون في جميع أنحاء المعبد، مستوحات من المعتقدات البوذية وتعاليمها وتركز على مشاكل المجتمع الحديث.

الفنان الذي غيرت البوذية حياته وجعل البياض مطلقاً في عمله الفريد، استلهم الأمة والدين وحياة المَلِكِ (الملك التايلندي بوميبول أدولياديج (1927- 2016) راما التاسع من سلالة شاكري، ملك متوج منذ سنة 1946 حتى وفاته، وكان أطول عهد لملك في تايلاند) في رؤية شاملة ليضمن الخلود لعمله الفني، فقد جمع الحاضر والماضي في معمار فريد ورؤية فنية مغايرة، حيث لا قصص بوذية على الجدران كما اعتاد الناس مشاهدتها في المعابد القديمة، بل إن جدران المعبد الأبيض مليئة بالتصورات الحديثة لمفهوميّ الخير والشر، ورسومات لشخصيات معاصرة مثل الأبطال الخارقين في الأفلام والرسوم المتحركة والهزلية كسبايدرمان وباتمان، والسفن الفضائية!

في الخامس من شهر مايو لسنة 2014 وقع زلزال في منطقة شيانج راي، دمر أجزاءً من المعبد، لكن الفنان استمر في عمله وأبدعَ لتايلند إحدى مفاخرها.