Naserya_city_center_1

الطريق إلى  الناصرية
الفصل  الأول

في الطريق
في مطار النجف
عدتُ بعد أكثر من 22 سنة من المنفى إلى بلدي، أمضيتُ سنتين وأربعة أشهر منها، في مخيم رفحاء الصحراوي، الواقع إلى الشمال الشرقي من
المملكة العربية السعودية، في أعقاب انتكاسة انتفاضة آذار في سنة 1991، ونحو عشرين في المنفى النرويجي.

فكرتُ طويلاً قبل اتخاذ خطوة الزيارة، خشية الصدمة التي سوف يسببها لي طول البعاد وتغير نفوس العباد! وجدتُ في نهاية المطاف ألّا مفرَّ من زيارة العراق، مهما طال الزمن!

قبل أن تهبط الطائرة القادمة من النرويج والتابعة للخطوط الجوية التركية، في مطار أتاتورك قبيل منتصف الليل، بانتْ إسطنبول من النافذة متلألئة بالأضواء، مثل جوهرة في تاج الباب العالي العثماني! وقضيتُ خلال ساعات الترانزيت الطويلة حتى صباح اليوم التالي، وعن طريق الصدفة، وقتاً ممتعاً مع منتخب العراق لسباحة المُعوَّقين البارالمية، وكان في طريقه إلى معسكر تدريبي في روسيا.

سألني المدرب وعدد من أعضاء المنتخب عن الحياة في النرويج وأجبتهم.
ثم سألتهم عن أوضاع العراق الراهنة، حيث لا يكون الحديث، كلما التقى العراقيون، حتى لو لم يتعارفوا من قبل، إلا في السياسة، بما لها من قدرة عجيبة على توحيد صفوفهم، وتشتيت شملهم أيضا!
- هل تعملون كفريق واحد، من أجل رفع إسم العراق في الملاعب الرياضية العالمية؟!
سألتهم ببراءة المنفي الذي لم يعرف الطائفية في حياته قط!
- نعم بالتأكيد ماكو أي فرق!
أجاب أحد اللاعبين.
- تجد الطائفية لدى السياسيين لا بين صفوف منتخبنا، لاعبونا شيعة وسنة وأكراد ومسيحيون، لكننا لا نفكر بالطائفة أو القومية بل بالعراق الواحد.
أجاب المدرب.

تناولنا العشاء على مائدة واحدة وتحدثنا طويلاً، وإذا كنتُ تألمتُ لما أصابهم من عَوَقٍ وهم في ريعان الشباب، فإني سعدتُ بحماسهم لحصد المزيد من الانتصارات، ونيلهم أرفع الميداليات في بطولات عربية ودولية.
***
حَلَّقتِ الطائرةُ في صباح اليوم التالي فوق الأراضي التركية الخضراء، حيث تنتشر المزارع والغابات، وتتصل الجبال بشقيقاتها في كردستان وكانت مزدهية بخضرتها أيضاً، لكن ما أن دخلنا في أجواء العراق حتى بانتْ أرضه جرداء موحشة!

في الواقع، كان على الأرض تحتنا، إرهابيون يعملون على إبادة العراقيين وتقسيم بلدهم بلا هوادة (1)


هبطت الطائرة في مطار النجف الدولي في حوالي الساعة العاشرة صباحاً من يوم 18/5/2013، وكان ما حوله أجرد، أقرب ما يكون إلى كراج (علاوي الحلة) بعد التغيير، منه إلى مطار دولي!، فالصالة في حالة سيئة جداً، رُصِفَتْ لِصَدِّ الزائرين أو إيقافهم في طابور، قبل الوصول إلى كابينة فحص الجوازات، أحجار كبيرة!، وهو مالم تقعْ عليه عيناي حتى في مطارات الدول الفقيرة، التي كانت تستجدي العراق، وترسل رؤساءها إلى بغداد خلال السبعينيات من القرن الماضي، في فترة الفورة النفطية وتراكم عوائد المبيعات!، أما الطاقم الإداري المؤلَّف من مدنيين وعسكريين فكان مرتبكاً في أداء عمله، احتاروا في أمر زائر، لايحمل هُويِّةَ الأحوال الشخصية (الجنسية)، لأني فقدتها منذ سنوات طويلة، واتصلوا بمديرهم فَقَرَّرَ منحي (فيزا) مؤقّتة، على أن أراجع مديرية جنسية الناصرية في فترة أقصاها أسبوع، للحصول على الجنسية، وإذا كان الجميع يَتمتَّعُ بدماثة الخلق والطيبة العراقية المعهودة، فإن الخصال الحميدة وحدها لا تكفي، بدون كادر مهني يعمل على تقديم أفضل الخدمات كما في مطارات العالم.

ثمّة العشرات من الزوار الشيعة، القادمين لزيارة العتبات المقدسة في النجف وكربلاء وسامراء، من إيران وباكستان وأفغانستان والهند وجنوب شرق آسيا، غالبيّتهم من كبار السنِّ، الذين لم يَبْقَ لهم مثل عجائز المسيحيّينَ، مِمّنْ يوزّعونَ المجلات الداعية إلى اعتناق المسيحية بدون مقابل، على المارّة في شوارع المدن الأوربية، غير إزجاء ما تَبقّى لهم من وقت، في الزيارات والأدعية والتشَبُّثِ بالدين مَعْقِدِ رجائهم، وكذا الإنسان ضعيف وأناني أمام مصير الموت، جاهل لما بعده!

كان رفيقي في الرِّحْلَةِ من مطار إسطنبول، بعد (ترانزيت) دام حوالي سبع ساعات، لاجىء عراقي قادم من فنلندا، قال بأنه لم يتمكّنْ من الوصول إلى البلاد الصقيعيّة، لولا أحد المُهرّبينَ عبرالأراضي الروسية وبِشَقِّ الأنفس، بعد دفعه الأموال الطائلة لمافيات الحدود، لكنه لم يُحَصِّلْ على فرصة لجوء فَقَرَّرَ العودة إلى العراق!

ـ عند الضريح المقدَّس ووادي السلام
سحلنا حقيبتينا إلى خارج المطار، واستقلَّينا سيارة أجرة إلى ضريح الإمام علي، كان عليَّ انتظار حيدر ابن اختي بباب الطوسي بحسب الأتّفاقِ عَبْرَ الهاتف، لكي يُرافِقَني إلى مدينة الناصريّة، والطوسي (995 ـ 1050) من زعماء الشيعة ويسمّى شيخ الطائفة، وسمي الشارع باسمه وأحد أبواب الضريح المُطِلِّ على مقبرة النجف (وادي السلام)، التي بدأ الدفن فيها بحدود سنة 861 ميلادية، وَتُعَدُّ أكبَرَ مقبرة في العالم، وأدرَجَتْها منظمة اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي لتجاوز عمرها الألف سنة!

المقبرة مكان مهول وكل قبر سفينة تمخر عباب الأبدية!
وفي العراق موتى بلا حساب!

لفحتْ وجهي حرارة الشمس العراقية، وأنا أمسك الحقيبة ذات الأربع دواليب بيدي، قبل أن أقف متأمّلاً خط الأفق وراء المقبرة، التي فرضتِ الأحزاب الدينية ثقافتها على الشعب العراقي منذ سنة 2003 حتى اليوم. وبدا مصير الإنسان مبنيّاً في قبور متزاحمة وأشكال متنوعة، مربعات ومستطيلات وأقواس، لا يُوَحِّدُ علاماتِها سوى لون التراب الكابي الذي يجثم على القلب، خلا بعض ألوان القبور والقباب الصغيرة المنتشرة هنا وهناك خضراء اللون. شَعْبٌ كامِلٌ يرقد تحت التراب أكله النمل حتى شبع منه، ولا رغبة له في الخروج من باطن الأرض، وتناول لحوم الأحياء، حتى يأتي دورهم فينزلون إليه! ولا مفرَّ من ذلك في يوم من الأيام!

لكن لماذا لا توجد محارق للجثث، لمن يرغب في حرق جثته بعد الوفاة كما في الكثير من دول العالم؟

وبينما تتراوح مشاعر الرهبة في داخلي، بين قَوْسَيّ حاضر العراق المؤسي وحتميّة الموت، إذ خطر ببالي بيت من قصيدة المعري فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة، بل قل من صيحته الشهيرة بوجه الزمان والوجود الغامض ..
صَـاحِ هَـذِي قُبُورُنا تَمْلأ الرُّحْبَ فـأينَ الـقُبُورُ مِنْ عَهدِ عادِ؟!


صُدِمْتُ برحيل أبي المبكّر في سنة 1974 وكنتُ حينذاك ابن ستة عشر سنة، تركني وحيداً حائراً حتى اليوم بين أسئلة الحياة والموت، العدم والوجود، أَصْرَرْتُ في ذلك اليوم الحزين على مرافقته إلى مثواه الأخير، رغم معارضة أهلي لحداثة سِنّي لأقِفَ على جلالِ الموتِ وأَتَدَبَّرُ معانيه. شاهدتُ الدفّانَ والأعمام بعد ظهر يوم صيفي حارّ، يُنزلونَ جثمان أَعَزِّ المخلوقات في القبر بِتَؤدّة ثم يَلحدونَهُ، بكيتُ بكاءً مُرّاً وأنا أُوَدِّعُهُ بنظرة خلل دموع حرّى، ودفنتُ معه أجزاءً من نفسي إلى الأبد!
***
في المعتقد يتشرف الشيعة بالدفن جوار مرقد الإمام علي شفيعهم في يوم القيامة، وليست المقبرة مقصورة على شيعة العراق حسب، بل الشيعة في العديد من البلدان مثل إيران والبحرين وأفغانستان والهند وباكستان ولبنان والكويت وغيرها، بل وَدُفِنَ فيها الكثيرون من أتباع المذهب السُنّي! جاء في كتاب سفينة البحار (ج1) للشيخ علي النمازي الشاهرودي (1333ـ1402هجرية)، رواية تؤكد أن الإمام علياً نظر في حياته إلى ظهر الكوفة فقال
- ما أحْسَنَ مَنظَرَكِ وَأطيَبَ قَعرَكِ اللّهُمَّ اجْعَلْهُ قَبري.

وَدُفِنَ في هذه الأرض الرملية المرتفعة نسبياً، الهازئة بأخطار الفيضانات التي تُهَدِّدُ الكوفة والحلة في مواسمها، أكثر من 6 ملايين إنساناً، وفي رأيي أن المليونين الأخيرين على الأقل، هم من ضحايا الحروب الصدّاميّة العبثيّة، الحرب العراقية الإيرانية وغزو الكويت، وما تلا ذلك من مآسي الحصار والاحتلال والعمليات الارهابية، والخطف والقتل على الهُوِيَّة، ومعركة اندلعتْ من يوم خمسة حتى يوم 27 أغسطس سنة 2004 ، كان مسرحها مقبرة النجف نفسها، بين جيش المهدي التابع لرجل الدين القوي مقتدى الصدر من جهة، والشرطة الاتّحاديّة والجيش الأمريكي بقيادة الكولونيل أنتوني هاسلام من جهة ثانية، حيث تَعرَّضَتْ منارتا ضريح الإمام إلى أضرار كبيرة، نتيجة القصف الشديد على الفنادق المحيطة بالضريح، وكان قَنّاصو جيش المهدي بين لائذٍ فيها وَمُتَحَصِّنٍ في شُرفاتها، وأصبحتِ النجف في تلك الأيام مدينة أشباح، بعدما هَجَرَها سكانُها إلى مناطق آمنة.

كان الحرّاس في مدخل باب الطوسي، لا يفتّشون الداخلين إلى زيارة الضريح بدقّة! شاكّي السلاح أو يحتضنونه في جلوسهم، لكن البعض منهم كان مَشغولاً بهاتفه المحمول! غير معنيِّينَ بأفواج الزائرين! ثم أمرنا أحدهم بالدخول من باب التفتيش الثاني حيث يوجد جهاز (سونار) لتفتيش الحقائب. سحلنا الحقيبتين واستدرنا إلى غرفة (السونار)، أخبرنا شرطي آخر بعطل الجهاز منذ فترة! عدنا ثانية إلى الحرس وأخبرناه بأننا قادمان من خارج العراق فلم يفتش الحقيبتين! إكتفى بتمرير كفيه بطريقة من يشعر بالملل من تفتيش آلاف الزائرين يومياً، حتى أصبحتِ المهنة لديه عادة ليس أكثر!
ضغط بيديه على أكتافنا وجيوبنا ثم قال ادخلا!

ثمّة شارع طوله حوالي 200 متراً يَمْتَدُّ بينَ نُقْطَتَيّ التفتيش الأولى والثانية، مزدحم بالمئات من الزائرين العراقيين والعرب والأجانب، إضافة إلى عربات لبيع الأطعمة المكشوفة، وعربات خشبية كانت في السابق خاصة بنقل الخضروات، من أسواق بيع الجملة (العلاوي) إلى الدكاكين، أو لحمل النفايات، أو أثاث عائلة انتقلت إلى مسكن جديد، لكن أضيفت إليها خلال فترة الحصار وما بعد التغيير، مَهَمَّةَ نقل المرضى والعَجَزَة والمُسِنّينَ، بما لا يليق بآدميّة مواطني دولة نفطية!

وقبل أن نُدْرِكَ نقطة التفتيش الثانية، إذ أقبل رجل في متوسط العمر، حاملاً بين يديه طفلاً مَيّتاً ملفوفاً بقطعة قماش خضراء اللون، تتبعه نساء مجلّلات بالسواد كنَّ ينشجنَ بهدوء بما يحيل إلى ندّابات معابد سومر في الطقوس الدينية، وتوقف الموكب الحزين بعد حوالي خمسين متراً، قبل أن يتقدم الشرطي ويُمَرِّرُ جهاز (سونار) بحجم ذراع رجل على الجثة، ثم أمر الموكب الجنائزي الصغير بالمضي وزيارة الإمام، تليها بطبيعة الحال إتمام مراسيم الدفن!

كان مشهداً صباحيّاً صادماً ..
فطوال إقامتي في النرويج لم أُشاهِدْ طفلاً واحداً ميتاً على الاطلاق، مُصفَرَّ الوجهِ أو مصاباً بسوء التغذية، تتلألأ على خدود الأطفال هناك أسباب العافية، كأن البشر في بلاد الصقيع يعيشون في دلمون السلام والراحة والخلود، فلا يمرضون ولا يموتون!، سوف أقف بنفسي فيما بعد على أن ليس كل الأطفال في العراق يشربون الحليب، الذي يساعد على تقوية أسنانهم ونمو عظامهم ويمكنهم من اللعب والحركة، حيث لا يوجد اهتمام أو نظام خاص بالتغذية، سواء في المدارس أم في البيوت إلّا مانَدَر، وثمّة أطفال يشربون حليب (الباودر) بعد تذويبه في الماء الدافىء، وهو ليس صحّيّاً ولا يحمل قيمة غذائية كالحليب الطبيعي!، كان التلاميذ قبل نصف قرن واغتصاب البعث الوحشي للسلطة، يتناولون الغذاء المجاني في مدارسهم بما فيه الحليب والفواكه، بما يُعْرَفُ بالتغذية المدرسيّة، أما اليوم فهنالك انهيار شبه كامل للتعليم في العراق، تبدو معه مطالبة الحكومة بإعادة مشروع التغذية ضرباً من المستحيل!

ـ نقطة تفتيش
أقعينا على الأرض رفيق الرحلة وأنا، وفتحنا الحقيبتين أمام الشرطي ففتش حقيبته، وبعد ذلك فتش حقيبتي فوجد جهاز (لاب توب)، ولوحة كتابة إضافية (Key Board) وماكنة حلاقة كهربائية وأدوات أخرى.
- أغلق الحقيبة صاحبك يروح يزور أنت ماتروح؟!
قال بدون أن ينظرَ إليّ!
- ليش؟!
قلت متعجباً!
- الأدوات الكهربائية مرات يحطون بيها متفجرات!
- لكن عندك (سونار) وتفضل افحص مثل ما تريد!
- لا، مرات حتى (السونار) مايكشف المتفجرات!
رمى جملته الأخيرة في وجهينا بصحة المتأكد من شكوكه، قبل أن يشيح بوجهه عنا على طريقة الزعل العشائرية!
توسلت إليه قائلاً
- اسمعني أخي أرجوك، هذه هي زيارتي الأولى بعد أكثر من 22 سنة وابن أختي ينتظرني بباب الطوسي!
لكنه أصر على رأيه فأغلقت الحقيبة قائلاً بعصبية!
- يابه دروح ما لازم!
فصفن في وجهي وقال
- لا لا أنت متعنّي وجاي من بلد بعيد تريد تزور أمير المؤمنين عليه السلام وأنا أمنعك!، لا لا أبدا يا لله ادخلوا اثنينكم؟!

فغرتُ فمي متعجباً من تغيير رأيه المفاجئ، مما يدلُّ على انعدام المهنية في أجهزة الأمن بعد التغيير، وسبق لي خلال السنوات الماضية، أن انتقدتُ في العديد من مقالاتي السياسية في سلسلة (كلمات)، تعيين الضباط والمراتب في سلكيّ الجيش والشرطة، سواء عن طريق المحسوبية والمنسوبية أم بدفع الرشوة، وكذلك ضباط (الدَّمِجْ) وهي التسمية الجديدة التي أُطلقتْ بعد التغيير، على الذين لم يكملوا دراستهم، أو يحصلوا على شهادات أكاديمية من كليتي الشرطة والعسكرية، لكن زَجَّتْ بهم في صفوف الأجهزة الأمنية أحزابهم، بالإستناد إلى مبدأ المحاصصة الحزبية والطائفية التي حطمتِ العراق، وكلام كثير حول رشاوى التعيين في السلكين بلغتْ آلاف الدولارات!، وتحسب اليوم بـ (الشدَّة) وهي تسمية أطلقها العراقيون بعد التغيير على مبلغ العشرة ألاف دولار أمريكي!
***
سحلنا الحقيبتين إلى باب الطوسي، وكانت أفواج الزائرين تترى على الضريح المقدس، أفواج تدخل وأخرى تخرج، وزوار يفترشون الباب واللواوين الخارجية، ويقفون في باب (الكيشوان) وهو الشخص الذي يُؤَمِّنُ لديه الزوّار أحذيتهم، ومن مكان ما يتعالى صوت مقرىء أجشّ يتلو القرآن تقشعر له الابدان، وهنالك باعة متجولون يدلِّلُونَ على بضاعتهم، من (مَسابِحُ وخواتمُ) و(عرقجينات/أغطية الرأس) وحجابات وبخور الصندل وهدايا الحلوى (الصوغة) وقرآن بحجم الكف، بعد قليل وبينما أنا واقف أنتظر قرب الكيشوان، إذ أقبل أحد المعممين وكان في نهاية الثلاثينيات من عمره، لاستلام نعله، تمهل قليلاً قبل أن يرمقَني بنظرة من فوق لتحت!، ربّما لأني حليق اللحية والشاربين، أو لأن هيئتي لا تدلُّ على انتمائي إلى هذه البلاد التي بَعُدَ عنها كل أمل في الخلاص من مآسيها!، وهل ثمّة شيء فَرَّقَ العراقيين مثلما فَرَّقَتْهُم الآيديولوجيات والمذاهب والأحزاب؟!، على أي حال رددت على المعمَّم بنظرة الأحتقار أضعافاً مضاعَفةً وبما لا يتوقَّع!، من فوق لتحت ثم طولاً وعرضاً حتى مضى في سبيله خاسراً، وبعد ذلك مددت بصري إلى الصحن فكان الزحام على أَشُدُّهِ، مستعجلاً الوقت حتى يأتي حيدر، وكنت تركته صغيراً يلعب في الشارع مع أترابه، ورحت أرسم له صوراً في مخيلتي!
- هل يشبه أحد والديه أم أن ظرف الحصار التراجيكوميدي أَثَّرَ عليه مثل بقيّة أطفال العراق؟!
- ما هي أحلامه في العراق الجديد؟!
- هل يفكر مثل الكثيرين من الشُّبّانِ بالهجرة إلى الغرب، أم أنه راضٍ عن حياته مقتنع بقدره؟!

هو في الحقيقة لم يكن راضياً أبداً ..
فبعد حوالي ثلاث سنوات قَرَّرَ الهرب، فحملته الأقدار مع زوجته وطفلته ذات السبعة أشهر إلى الأراضي التركيّة، صَحَبَهُ ابن خالته المتزوّج من شقيقة حيدر وطفليهما، سبعة أرواح لائبة هاربة من أوضاع العراق المأساويّة في قارب مطّاطي، يفلت محرّكُهُ بعد منتصف ليلة دامسة الظلام، ما أن يديرُهُ المُهَرِّبُ على الشاطىء قبل الانطلاق ويسقط في البحر، فينزل إليه الرجال ويعيدونه إلى مكانه، ولم تخلُ الرحلةُ من المخاطر والبرد وقطع الحدود، لكن الجميع عبروا البحر الأسود بسلام متوجهين عبر الأراضي اليونانية فدول أوربا الشرقية فألمانيا إلى النرويج، التي مازالوا فيها حتى اليوم.
***
في دخيلتي أثارت الانتقالة من النرويج إلى العراق، بعد نصف يوم بالطائرة و(الترانزيت) الكثير من الأسئلة، حول الفرق بين مجتمع غربي مادّي يعيش في عصر الأرقام والمعلوماتية، وآخر شرقي يعيش في عصر الأوهام والخرافات الدينية؟، بعدما رمته إلى ما وراء الشمس مخططات دولية وإقليمية، وكما تخادمت مع نظام صدام الفاشي، سيطرت على النظام الثيوقراطي المتحالف مع القومي الكردي الذي جاء بعده!
***
في الواقع كنت أريد في المكان المُعطَّر بالروحانية، أن أَتَمَعَّنَ في وجوه العراقيين أكثر وأكثر، أراقب حركتهم ومشيهم، أسمع لغطهم وضجيجهم، أنسجم معهم بسلام أو كلام وجلسة على بساط في أحد اللواوين، وحديث عن الطقس والضريح والسياسة والعهد الجديد الفاسد، بعد سنوات طويلة من الحسابات الماديّة في النرويج، دفع الضرائب والسفر شهرياً إلى السويد، وقضاء نصف النهار في إحدى مدنه الحدودية مع النرويج، وتُدعى (Strømstad) للتبضع منها، وذلك لفرق العملة بين البلدين وغير ذلك كثير.
***
كان الطقس مائلاً قليلاً إلى الحرارة في شهر مايو ويعد نهاية فصل الربيع في العراق، وأرى المزيد من الوجوه التي ضربتها الفاقة والحصار، تندفع أفواجاً أفواجاً لزيارة الشفيع، رجال ملتحون مُلفَّعونَ باليشاميغ، ونساء محجَّبات يحملن أطفالهن على أذرعهن، لا في عربات الأطفال!، كل زائر يطلب مراده في زمن شَحَّتْ فيه الرحمة في العراق، وتهاوت أعمدة الإنسانية، بعد عقود من الطغيان والحروب العبثية والجوع خلال الحصار، والفساد في الحكم الجديد والإرهاب ونظام المحاصصة البغيض وغيرها!

أقبل حيدر بعد نصف ساعة مُتخفّياً بين الزوار مبتسماً من بعيد، حاسباً أنني لا أستطيع في الزحام تمييزه!، التقت الابتسامتان بين رجل وامرأة من الزوار، كانا مقبلين يقودان صغيرهما وكان يدرج بصعوبة على الأرضية النظيفة من (الشتايكر) الملوّن، احتضنتُ حيدر بقوّة المشتاق لأهله وذويه بعد طول منفى، ثم سرنا في ممرّات ضَيّقة وخانقة وقذرة مليئة بالنفايات، وشوارع عريضة خربة مزدحمة بالسيارات والناس والدخان عاجَّة بالفوضى، قبل أن ندلفَ إلى مطعم كباب قريب، وبينما نحن ننتظر الطعام دخلت امرأة ملفّعة بعباءة غطّت وجهها بغطاء (بوشية)، ومدّت كفها اليمنى (كانت ترتدي قفّازين أسودين رثّين!) فناولها صاحب المطعم ألف دينار قبل أن تمضي في سبيلها، وكانت هذه أول مواطنة أشاهدها تستجدي في بلاد الخيرات التي كانت!، وسوف أتألّم لاحقاً لِمُشاهدةِ الكثير من النساء والأطفال على مفارق الطرق والإشارات المرورية، في الناصرية والسماوة والنجف وبغداد والبصرة والزبير والشطرة وسوق الشيوخ وغيرها.

ذهبنا بعد تناول طعام الغداء إلى الكراج الموحّد، واستقلّينا سيارة أجرة من نوع خمسة ركاب، قرر حيدر، دفع أجرة المقعد الثالث الخلفي لكي لا يجلس بيننا راكب يضايقنا!

سألني في الطريق وهو يتأمّلُ في وجهي أخاديدَ حفرها الزمن، عن السفر بالطائرة التي يحلم أن يَستقِلَّها يوماً ما والحياة في النرويج، وأحوال أخواله حيدر وحسن وأحمد المقيمين فيها، فأجبته عن كل صغيرة وكبيرة، وبعد حوالي عشر دقائق توقَّفتْ السيارة في إحدى نقاط التفتيش، وأخذ أحد رجال الأمن يَتَفَّحَصُ وجوهنا جميعاً وقال
- منين جايين وين رايحين؟!
- من النجف للناصرية!
أجاب السائق
ونظر إلي قائلاً
- الأخ عربي؟!
فرددت عليه مازحاً
- خويه أنا (أملح أجلح) من الناصرية! (2)
ضحك الجميع ثم قال الشرطي للسائق
- اطلع الله وياك!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) منظمة القاعدة الإرهابية التي أسسها الإرهابي السعودي أسامة بن لادن في سنة 1989 في افغانستان، أي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في السنة المذكورة، وكانت تدعو في بادئ الأمر، بدعم من الولايات المتحدة، إلى محاربة الشيوعية عدوها التقليدي، لكنها انقلبت على عرابها بعد الانهيار، وأخذت تعمل ضد مصالح الولايات المتحدة نفسها، فأصابتها في صميم تجارتها في 11 سبتمبر سنة 2001، وذلك بضرب برجي التجارة العالمية في نيويورك بطائرتين مدنيتين، ونجم عن ذلك أكثر من 4000 قتيلاً وخسارة ماديّة قُدّرَتْ بمليارات الدولارات، إضافة إلى مبنى وزارة الدفاع البنتاغون (The Pentagon) الواقع في ولاية فرجينيا، ومن ثم جاء دور داعش في سيناريو الولايات المتحدة والغرب لِبَثّ الفِرْقَةِ بين شعوب المنطقة، وحالة عدم الأستقرار، لغرض بيع المزيد من صفقات الأسلحة وضمان أمن اسرائيل، فقد ولدت داعش من رحم القاعدة وأُسّسَتْ في سنة 2013 من اندماج بين (دولة العراق الإسلامية) وأُسّسَتْ في سنة 2006 وهي تابعة للتنظيم المذكور، وجبهة النصرة الارهابية في سوريا، هاتان المنظمتان بما انضم إليهما من بقايا البعث والحرس الجمهوري والأجهزة الأمنية للعهد المُباد، إضافة إلى جماعات سُنِّية مسلحة ومدعومة من دول الخليج والولايات المتحدة، عملوا جميعاً على إبادة العراقيين بلا هوادة، منذ الاطاحة بالدكتاتور صدام ونظامه الفاشي في سنة 2003، بثوا الرعب في الموصل وبغداد وصلاح الدين والرمادي وديالى والنجف وكربلاء والناصرية وغيرها، في عمليات ارهابية هي تفخيخ سيارات وتفجير معابد ومدارس ومصانع وغيرها، وسوف تقع الواقعة الكبرى في يونيو حزيرن سنة 2014، حيث قام داعش باحتلال الموصل والأنبار وصلاح الدين، بعد وقوع خيانة من قبل قادة الجيش العراقي والبيش مركه الكردية، احتلَّ داعش انطلاقاً من الأراضي السورية حوالي ثلث أرض العراق ومدنه، وانتشرت راياته السود في المدن التي كانت في السابق خضراء، تنتج وتصدر التمور والخضروات والحمضيات والحنطة والشعير وغيرها.
(2) الأجلح في الدارجة الجنوبية تعني الصلع في مقدمة الرأس.

ـ حوادث مرورية

استرجعتُ في ذاكرتي وجه أبي المكدود، وهو يركن سيارة نقل الركاب خط ناصرية / بغداد وكانتْ من نوع (دك النجف سعة 40 راكب)، بباب أحد المطاعم الخارجية المنتشرة على الطريق بين الناصرية وبغداد، وأنا أهمُّ بالنزول من سيارة الأجرة مع حيدر، بباب مطعم معزول شُيِّدَ سياجه من أغصان الأشجار الغليظة، وَفُرِشَتْ مَمرّاتُهُ الخارجية بالحصى، يؤدّي إثنان منهما إلى مراحيض قذرة، معزولة عن بعضها البعض بجدار، واحدة للرجال وأخرى للنساء، ووقف عدد من الرجال يُصَلّونَ في مُصَلّى صغير بجانب المطعم، أحدهم لا يبدو عليه الخشوع والأستغراق بين يدي ربه!، فهو يبصبص على فتاتين، وقفتا في باب دكان لبيع المواد الغذائية والهدايا مقابل المُصَلّى، أما المقهى الذي دعاني حيدر إلى احتساء الشاي فيه ويقع بجانب الدكّان، فقد عجبت لبابه الذي غَطّْتْ زجاجه طبقة سوداء كثيفة من الذباب وذروقه، فقامت مقام الستارة السوداء!، خَيّلَ إليّ حينها، أنه يمكن أن تَقَعَ خلفها حادثة اغتصاب مثلا، أو قتل بكاتم صوت بدون أن يعلم بذلك أحد!

هنالك أطفال يدرجون على بلاط واجهة المطعم، ونساء مكفّفات مُحنّكات مُلفّعات بالسواد من فوق لتحت! لا يكاد يظهر منهنَّ سوى جزء محدود من الوجه، أما الرجال فملتحون يذرعون الممرات جيئة وذهاباً، لهم سحن حزينة ويَلفّونَ رؤوسهم بيشاميغ، الأرجح أنهم قادمون من النجف بعد نهاية مراسم دفن. وزوّار عائدون بعد زيارة الأضرحة المقدسّة. وشُبّانٌ حاسرو الرؤوس يتوضأون تحت أشعة الشمس، فيما آخرون ينتظرون دورهم في باب المصلى، الذي ضاق بالمصلين وفاض. ووقف في باب المقهى المجاور ثلاثة رجال يحتسون الشاي، تتراوح أعمارهم بين الثلاثين والخامسة والثلاثين، يتضاحكون ويتكلمون بصوت عال على الطريقة العراقية، كم كانوا أنيقين ومرحين، أرواحهم الشابة تطوف في المكان الصحراوي المنقطع!
أزف موعد رحيلهم إلى الأبدية!

بعد قليل انطلق الثلاثة بسيارتهم الصغيرة نوع (chrysler)، ولا أعلم لماذا يسمونها في العراق (أوباما) على إسم الرئيس الأمريكي حينذاك؟! والتلفونات المحمولة يسمونها (الرعاش والطابوقة وليلى علوي النجمة السينمائية المصرية المشهورة؟!) وغيرها، وكل أنواع المشروبات (بيبسي كولا وميراندا وسفن أب وسبرايت وتراوبي؟!) وغيرها يسمونها بارد! وكل مساحيق الغسيل لها إسم واحد هو تايد (tide)، إن هذا وغيره بحاجة إلى دراسات نفسية واجتماعية من متخصصين، على خلفية التغيرات التي طرأت على الشخصية العراقية على الأقل خلال نصف قرن، وهو ليس مجال حديثنا هنا. على أَيّ حال انطلقت سيارتهم نحو الجنوب، قبل أن ينادي علينا أحد الركاب لنتبعهم بعد بضعة دقائق بسيارتنا، التي انطلقت خلفهم كالسهم، في الطريق الموحش الخالي من الخطوط البيضاء اللون التي تٌوَضِّحُ معالم الطريق، فلا إشارات مرورية و لا قِطَعٌ تُحَدِّدُ سرعة قيادة السيارات، بل اسماء مواكب عاشورائية وسهام تشير إلى مقامات صالحين!

ووقفت في الطريق من النجف إلى الناصرية (350 كم) على أربع حوادث سير مؤسفة وقعت كلها في ذلك اليوم المشؤوم، حيث مازالت بعض السيارات المقلوبة مُدَخِّنَةً يتسرّب من تحتها الماء والدماء والبنزين وزيوت المحرِّكات الثقيلة، وتختلط مع بعضها البعض في سواقي، تروي عطش الأرض إلى المزيد من الدماء والحرائق!، أولها ما وقع لسيارة (الأوباما) التي استقلها الرجال الثلاثة، غادر الذين كانوا أحياءً قبل ربع ساعة، عالم العراق العجائبي إلى السماء وأصبحوا جثثاً هامدة!

إن مزاجي في الحقيقة لا يتحمَّلُ مشاهدة الموتى أو الجرحى، في الحروب وحوادث المرور والموت الطبيعي وغيرها، ولطالما كنت قبل حوالي ثلاثين سنة أشيح بنظري، عن وجوه الجنود والضباط القتلى في الحرب العراقية الإيرانية، وكان المضمدون يجمعون الجثث في مركز طبابة اللواء الخامس والعشرين، الوجوه التي كساها البياض جحظت عيونها وبانت أسنانها المنخورة!، لكنني لم أشح بنظري عن وجوه الرجال الثلاثة، علني أستجلي أسباب غموض الحياة في العراق والموت المجاني، في مشاهدة وجوه، تراوحت بين من احتفظ ببقيا ابتسامة، كما لو أنه أكمل نكتة حتى نهايتها على حظ منكود قبل أن يفجأه الموت!، وثان يصغي إليه بفزع الراحلين برمشة عين في عبث الحوادث، وثالث منفرج الشفتين من شدة الذهول بعد اصطدام رأسه بقطعة حديد صلب؟!

على مبعدة حوالي 15 كيلومتراً من الحادثة الأولى، ومن عشرات السيارات التي سدت الطريق، ترجل المئات من الركاب، تراكضوا لإنقاذ ركاب تعيسي الحظ تحت سيارتين متصادمتين، انقلبت إحداها وَشَخَصَ حديدُها إلى السماء، هل كان يسألها تفسيراً واحداً لأسباب المأساة؟!، وفيما انشغل البعض منهم بعمل التنفّس الاصطناعي، لعدد من الجرحى والناجين المذهولين من هول الصدمة، قام البعض الآخر ببالغ الصعوبة بانتشال الجثث من تحت السيارة الثانية، وما لبثت أن لفظت امرأة ثلاثينية أنفاسها بين يدي رجل، في مشهد جنائزي أَثَّرَ كثيراً في نفوس الواقفين، قرأنا سورة الفاتحة حيدر وأنا وأغمض الرجل عيني المرأة، قبل أن ينخرط في بكاءٍ مُرٍّ انخلع له قلبي!

وكذا مع الحادثين المُرَوِّعَينِ الثالث والرابع، جثث تُخرج بصعوبة بالغة، من تحت سيارات مقلوبة على جهتي الشارع، ذي الاتجاه الواحد الضيق، ومن نجوا بأعجوبة يجلسهم البعض ويسقونهم الماء، يغسلون وجوههم ويتحدثون معهم ويقرأون عليهم آيات من القرآن، في وسط العشرات بل المئات من السيارات المُتوقِّفة على جانبي الطريق، والمئات من الركّاب المترجِّلين منها!
***
وجرى بعد قليل الحديث في سيارتنا، عن رخص الدم العراقي وشغل عزرائيل الذي لا يَتوقَّفُ ليلاً ونهاراً!، قلت لهم بأني مقيم في النرويج منذ عقدين من السنين، وإن مثل تلك الحوادث المروعة لا تقع فيها إلّا نادراً، فالقانون لا يسمح للسائق بقيادة سيارته وهو سكران أو مريض، أو مستهتراً متسابقاً مع سائق أخر، معرِّضاً أرواح الركّاب للخطر، أمّا الطرق فمعبَّدة ومخطَّطَة زُرِعَتْ فيها ( كاميرات) لايزرية، تلتقط  للمخالف بدون أن يَعلَمَ أغلى صورة ملوّنة في العالم!، وما هي إلّا أيام قليلة حتى يَتلقّى رسالة في صندوق البريد المخصص له في باب المسكن، فيها تفاصيل المخالفة، في أية ساعة وقعت واليوم والتاريخ، وكم بلغ عَدّادُ السرعة حينها في سيارته، مرفق بها فاتورة غرامة قد تصل إلى آلاف الكرونات النرويجية (الدولار الأمريكي يعادل 7 كرون تقريباً)، من جهة ثانية لا يتجاوز السرعة المُقَرَّرَةَ إلّا من خاطر بفقدان إجازة السوق، ما يعني شلل حياة الفرد النرويجي، في بلد يتراوح مناخه بين بارد ومُتجمِّد في معظم شهور السنة، حيث لا يحتاج المرء إلى شيء مثلما يحتاج إلى السيارة للذهاب إلى العمل، ونقل الأولاد إلى المدرسة، والتنزُّه في العُطَلِ، والسفر إلى السويد للتَبَضُّعِ الشهري وغيرها من ضرورات الحياة اليومية.
- هذا النظام ما يصير بالعراق لو بعد ألف سنة!
قال السائق يائساً!

ـ الوصول إلى البيت
وصلت إلى بيت أم حيدر فوجدتها، وشقيقاتي الأخريات وأولادهن وبناتهن وزوج شقيقتي الكبرى في انتظاري، فرحت لذلك الأستقبال كثيراً، شاعراً بعمق الأنتماء يتجدَّد، كَفَّ مشهد الأجواء العائليّة أن يكون افتراضيّاً فأصبح واقعياً، وإني أعود إلى مكاني الطبيعي بين أفراد عائلتي الكبيرة، في الواقع لم أتعَوَّدَ على هذا الحشد الكبير من المستقبلين، منذ دخلتُ في نظام الفرديّة والأنانيّة الأوربي والخصوصيّة الإنسانية، الذي أصبح في بلاد الصقيع عصب الحياة الاجتماعية، ورحت أتأمَّلُ في الوجوه المحيطة بي بعد نفي طال، ففيما تَقَدَّمَ الزوج في السن تساقطت أسنانه وابيضَّ شعرُهُ، وسوف يُحَرِّرُهُ الموت بعد حوالي ثلاث سنوات، وهو لم يتجاوز الستّينَ من عمره إلّا ببضع سنوات، وهَدَّتِ الحيلَ من شقيقاتي أمراض القلب والضغط والسُكَّري والمفاصل وغيرها، كبر الأولاد الذين كنت أحملهم على ذراعيَّ وألاعبهم، تزوَّجوا وأنجبوا أبناءً جعلوا كذلك يحملونهم ويلاعبونهم!
لقد تغيرت الحياة خلال 22 سنة في العراق كثيرا!
لكن يحتمل التغيير نوعين من التفسير الأول نحو الأمام والثاني نحو الوراء، ويبدو أن العراق سائر بخطى واسعة إلى الوراء!