فيلم (نظرية كل شيء) عن حياة الفيزيائي ستيفن هوكينغ.

السينما والزمن ورحلة اللانهاية.

يتناول الفيلم الدرامي نظرية كل شيء (The Theory of Everything) الحياة الرومانسية والعلمية لعالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينغ (2018-1942). كتب سيناريو الفيلم أنتوني مكرتن وأخرجه للسينما عام 2014 جيمس مارش، عن مذكرات كتبتها زوجة هوكينغ السابقة جين وايلد (1944) (لعبت دورها فيليسيتي جونز)عن حياتها الزوجية مع هوكينغ واستمرت حوالي 25 عاماً بعنوان (رحلة اللانهاية .. حياتي مع ستيفن صدر عام 2008). حصد الفيلم جائزة غولدن غلوب كأفضل فيلم درامي. لعب الأدوار كل من ريدي إيدمان وتشارلي كوكس وايميلي واتسون وسيمون وماك بورني. لعب دور هوكينغ إيدي الممثل البارع ريدمان واستحق عليه جائزة البافتا. وجائزة الأوسكار في نسختها الـ 88 عام 2016. وكنا شاهدنا الأداء الممتع لريدمان في فيلم (الوحوش المذهلة). وفيلم (الفتاة الدنماركية) وتمنيتُ لو حصل على الأوسكار عن دور المتحول فيه من رجل إلى امرأة. وهو لا شك دور صعب وملتبس. لكن الجائزة ذهبتْ عن استحقاق إلى (أليسا فيكاندرا) التي لعبتْ دور زوجته.

يبدأ الفيلم بهوكينغ وعائلته (هو وجين وولدان وإبنة) يمشون في قاعة كبيرة. ثم يظهر لوحده في لقطة ثانية من فوق، دائراً بكرسيه دورات عديدة. هي دورات الزمن الذي انشغل عالِمُ الفيزياء المُلهِمُ هوكينغ بفكِّ شيفرته. ولا تُكملُ تلك الدورات في مزج رائع إلّا عجلات الدرّاجتين الهوائيتين اللتين يقودهما كلٌّ من هوكينغ الشاب وزميله في جامعة كيمبردج براين. ليلحقا ببقية الزملاء المجتمعين في قاعة احتفالات الجامعة. هناك التقى بجين وايلد عن طريق الصدفة، وكانت تعد لرسالة الدكتوراه في الشعر الأسباني في القرون الوسطى.

تسأله جين

- هل تذهب إلى الكنيسة؟

- ذهبتُ مرة واحدة. لديَّ مشكلة مع الدكتاتور السماوي!

وعلى مائدة الطعام مع عائلته يقول في حضورها ضيفةً

- لا يمكن لأي فيزيائي أن يسمح بتشوش أفكاره. وهو بهذا الجواب يفصل بين حقل العلم الخالص لوجه الحقيقة. والدين الموصوف في الكتب (السماوية)!

في مشهد رقص هوكينغ بعد تغلبه على خجله مع جين في الحديقة بعد تعارفهما في الحفلة، وجوابه على سؤالها كما يرد في الحوار أدناه، تدخل الدورات الزمنية خلال دورانهما متشابكي الأيدي عاملاً حاسماً. بمعنى أن الفيلم يعلن منذ بدايته عن الاشتغال لا على مرض هوكينغ حسب، بل على موضوعة الزمن التي يرددها في الجامعة كموضوع أثير إلى نفسه. ليحقق في ميدانه فيما بعد فتوحات هامة في علم الفيزياء النظرية.

- وماذا يعبد علماء الكون؟

- معادلة متقنة واحدة توضح كل شيء في الكون.

- وما هي المعادلة؟

- هذا هو السؤال وأنا لستُ واثقاً جداً بعدُ! ولكنني عازم على اكتشافها! (يقصد المعادلة)

وبما أنَّ القدرَ لم يُبقِ من جسم هوكينغ ليتحكم به إرادياً سوى ابتسامته وإطباقة جَفنيه وإيماءة حاجبيه، وهو مازال في ربيع شبابه واستمر كذلك حتى وفاته عام 2018. فيمكن للمشاهد أن يرصد نظراته الثاقبة وأولها لِجين من وراء كتف براين وهما واقفان في الحفلة. نظرة مشروع العالِم النبيل والخجول إلى حبه الجديد. وهي أقرب ما تكون إلى نظرة المريض بالتوحد. لم يُعرف عن هوكينغ أنه كان مصاباً بمرض التوحد، لكن نيونتن الذي يعتبر الأكثر أصالة في تاريخ العلوم على مر العصور وصاغ قوانين الحركة والجذب العام كان مصاباً به. وأينشتاين، وهو أعظم إنسان فهمَ الكون وحركته الدائبة وتمدده. ولي في فهم مرض التوحد خبرة بسيطة اكتسبتها من خلال زياراتي المتكررة إلى أحد مراكز التوحد في العاصمة النرويجية أوسلو. ومدرسة ابتدائية حيث اطلعتُ على انشغال المتوحدين بشيء واحد لا غير، مثل تفكيك لعبة أو فكرة ما!

ولا أعلم تحت أي كوكب نحس وُلِدَ هوكينغ العظيم؟ وما هي الأقدار التي سلطتْ عليه ليصاب بمرض (التصلب الجانبي الضموري) (Amyotrophic lateral sclerosis) حيثُ تضررُ العصبون الحركي في الدماغ وفي الحبل الشوكي وتوقفُ نقل الإشارات العصبية إلى أعضاء الجسم كافة. ثم إصابته بعد زواجه بالتهاب الرئة والاختناق خلال تناول الطعام ليفقد القدرة على النطق تماماً. وقام ريدمان وهو فنان مسرحي في بداياته الفنية بتجسيد انفعالات هوكينغ وخوفه وحبه وغضبه. وقلقه في انتظار نتائج إجابته في الأمتحان من البروفيسور المشرف على رسالة الدكتوراه في علم الكون بجامعة كيمبردج. لقطات قريبة للوجه وما اختصر فيه الزمان من عضوين قابلين للحركة والتعبير (العين والحاجب) دون سائر أعضاء الجسم!

ثمة نظرة مرتْ في الدقيقة 45 من الفيلم عندما تحضر له زوجته كرسي المعوقين لأول مرة. نظرة فاحصة من ممثل بارع لمصير إنسان سيبقى رهين الكرسي منذ أواخر الستينيات حتى وفاته! نظرة أخرى أراد لها المخرج أن تكون طويلة ختمها باستناد هوكينغ على أصابع كفه الأيسر العاجزة عن الحركة. وارتعاشة ساقيه اللتين لا تكادان تحملانه! قبل تهالكه على الكرسي وصفنته! لكن المشهد الذي تلاه مبتسماً لزوجته في السرير وهي تُقبِّلُهُ سرعان ما أعاد الأمل إلى نفسه.

ونظرة بعد صدمته وهو يدخل إلى البيت ليجد رجلاً غريباً جالساً إلى البيانو مع ابنه! إنه موسيقار الكنيسة الأرمل جوناثان صديق جين. وكان اقتراح من أمها بعدما تفهمتْ متاعب حياة ابنتها الزوجية. فطلبتْ منها الذهاب إلى الكنيسة والترويح عن نفسها بالمشاركة مع جوقتها وترديد أناشيدها الدينية. لعلها تجد بعض العزاء عن تلك المعاناة.

تقول أمها

- يبدو أمراً عادياً لكن قد يحدث المعجزات!

جَسَّدَ ريدمان كأجمل ما يكون نظرة هوكينغ إلى جوناثان على مائدة الطعام بعدما حاول إطعامه بالملعقة وامتناع هوكينغ عن تقبل ذلك. ولا يمكن لأي إنسان يحمل بين جوانحه قلباً إلا أن يتعاطف مع ما آلتْ إليه أحوال أشهر الفيزيائيين في عصرنا!

وإلحاق ثنائية الدين والزمن بوجود العلة والمعلول في سؤال جوناثان لهوكينغ

- أخبرتني جين بأن لديك نظرية جديدة تثبت أن للكون بداية؟

- لا، كانت تلك رسالتي للدكتوراه. أما مشروعي الجديد فهو يدحض النظرية!

- إذن أنت لم تعد تؤمن بالخلق؟

- ما يؤمن به المرء لا علاقة له بالفيزياء!

وكان جوناثان المتدين يريد أن يفهم إن كان هوكينغ يؤمن بالخالق أم لا؟ أي إذا كان للكون بداية وبالتالي له خالق!

في الفيلم يُمزجُ الزمن والسينما التي هي فن اختصار الزمن وتكثيفه. إلى حد لافت أحياناً مثل زواج هوكينغ في مشهد وفي المشهد الذي يليه تضع زوجته طفلهما الأول بين يديه! مُزجتِ السينما بالزمن الذي شَغَفَ به هوكينغ عبر رموز ومعادلات رياضية تصعبُ إلّا على ذوي الاختصاص في كتابه (تاريخ موجز للزمن) (The brief history of time) فضلاً عن إضافاته المُلهمة حول الثقوب السوداء. ويعود فضل اكتشافها إلى العالمين الفيزيائيين البريطاني ميتشل والفرنسي لابلاس في القرن السابع عشر. ثم تأمل فيها أينشتاين حينما تنبأ في بحث النسبية العامة عام 1915 بأن الثقوب السوداء يمكن تحديدها من خلال ثلاث صفات. وهي كتلتها وشحنتها ودورانها السريع. وسَهَّلَ هوكينغ نظرياً على الأقل إمكانية السفر عبر الزمن، حلم علماء الفيزياء على مرِّ العصور.

ولا يمكن لأي مُشاهد إلّا أن يتعاطف مع المشهد المؤلم المشغول بحرفية عالية للطبيب الذي يداري مشاعر مريضه هوكينغ، بعدما أخبره بحقيقة مرضه وخطورته! وبأنه لن يعيش أكثر من سنتين، لكنه عاش حوالي 50 عاماً بعد ذلك وتوفي في سن 76 عاماً. ثم اللقطة الكئيبة في ممر المستشفى لمغادرة الطبيب يائساً من حالة مريضه. وتركه وحيداً وجهاً لوجه مع مصيره!

ويبقى مشهد ارتدائه لبلوزته بصعوبة لحد الاختناق ومشاهدته من خلال ثقوبها النار المتوهجة في الموقد الخشبي أمامه من أشد المشاهد روعة، في الانتقال إلى بؤبؤ العين فالكواكب والمجرات. ليقول لجين لقد راودتني فكرة! وهكذا تولد النظريات العظيمة والأفكار والتأملات عن طريق الصدفة. ولنا في صيحة أرخميدس في القرن الثالث قبل الميلاد (وجدتها) وهو يكتشف قانون الموائع والطفو والإزاحة، إسوة!

السينما التي لا تستخدم النقل الحرفي للواقع وترسم عبر الأشكال البصرية واللقطات مُتخيَّلها الخاص، وجدت نفسها أمام موضوعة ملتبسة في تناول حياة عالِم في شتى مناحيها المرضية والرومانسية والعلمية. فصاغت لنا لغة بصرية أخاذة أضافت لها بعدي الرقة والإحساس بسريان الزمن الموسيقى التصويرية التي وضعها يوهان يوهانسون (توفي عن عمر يناهز 48) وكان حصل على جائزة غولدن غلوب لأفضل موسيقى تصويرية.

على أن الفيلم لم يتطرق إلى المشاكل العائلية التي عانى منها هوكينغ وبدا سعيداً مع عائلته وهو ما لا يمكن تصديقه! سيما وأن الصحافة البريطانية أثارتْ مسألة تعرضه إلى العنف المنزلي! لكنه نفى ذلك بقوله إنه سقط من الكرسي ليس غير! وكانت زوجته ناشدت المنتجين الالتزام بالوقائع في مذكراتها لكنهم لم يلتزموا بذلك! وقالت بأن الفيلم تستر على (الواقع الصادق) والمستهلك لكل طاقتها مع زوج مشلول!

أنقذ أداء ريدمان البارع بعض عثرات الفيلم متفوقاً فيه على أداء السير دانيال دي لويس، الذي لعب دور الرسام المعاق كريستي براون في فيلم قدمي اليسرى (انتاج عام 1989) لاسيما في مشهد الشراب مع ممرضته إيلين وخطيبها وعدد من الأصدقاء، حيث بدا لويس متكلفاً بعض الشيء. ومنحت طاقة الحب الجديدة بين جين وجوناثان من جهة، وهوكينغ وممرضته من جهة ثانية، دفقة من جيّاش العواطف ليستمر الفيلم ولا نشعر بالملل.

بعدما قلدته ملكة بريطانيا وسام قائد الإمبراطورية البريطانية، نرى هوكينغ في نهاية الفيلم يخرج إلى الحديقة الملكية مع طليقته جين التي رافقته، قبل أن يُقبل عليهما أولادهما سعداء بين الأشجار القصيرة وحوض المياه.

- أنظري ماذا أنجزنا؟!

بمعنى أنه كأب راضٍ عما أعطى للحياة المستمرة في نهر الزمن المتدفق وصيرورته، ما يجعل ضميره مرتاحاً إلى الأبد.

NORWAY

20/12/2020