عن السنة الجديدة 2021 وصلاح نيازي وقصيدة حب إلى الأرض
في عام 2001 التقيتُ بالصديق الشاعر الدكتور صلاح نيازي، لأول مرة، في مهرجان شعري في العاصمة النرويجية أوسلو.

قبل أن يقرأ قصائد رائعة عن العراق ويصَفَّقَ له الجمهور طويلا، حكى طرائف بروح الشاعر الساخر من أقدار السياسة العجيبة في العراق. المغترب عن بلاده منذ ستينيات القرن الماضي. في اليوم التالي دعاني إلى مقابلته في مقهى يقع في وسط أوسلو. وأجلب معي عدداً من نصوصي الشعرية.

أُبدى إعجابه بما قرأتُ على مسامعه من قصائد. بينها (ملصق عن الحصار) الذي أهداني مؤخراً مقاله عن الجواهري (هل دجلة الخير للجواهري نهر؟!) موقعاً فيه إعجابه بالقصيدة
* ملصق عن الحصار

منذ سنين طويلة
تلك هي هوايتي
أقف على جسر في أوسلو
أطعمُ طيور بلادي المهاجرة!

ثم أثنى كثيراً على (قصيدة حب إلى الأرض) وأتذكر أنه طلب مني قراءتها مرة ثانية. ثم أخذ الورقة وتأمل في القصيدة طويلاً. قبل أن يقول
- إن طاقة الحب للأرض والحياة في هذه القصيدة كبيرة. ولغتها شاعرية أخاذة. أنا أعتبرها وبلا تردد من عيون الشعر العربي!

طرتُ من الكرسي محلقاً في فضاءات السعادة في ذلك الصباح الشتوي! وإذا كان لطاقة الشعر أن تُحيي الأرواح (لا تخافوا الشاعر حين يغضب غضبه النبيل .. إن حرفه يقتل .. لكنْ روحه تحيي الأرواح! الشاعر الروسي يسينن بترجمة حسب الشيخ جعفر) فإن إحدى إشعاعات تلك الطاقة سرعان ما ذوبتِ الثلوجَ حواليَّ في المُغْتَرَبِ النائي. وكانت الحياة في أوسلو في ذلك اليوم ترزح تحت الصفر برداً وصقيعاً. لكنها، أي الحياة، مهما كلف الأمر بدت أكثر جمالاً وابتكاراً. أما العيش والتلذذ بها فله أقوى صلة بترف نهاية الحضارة في القارة العجوز.

و .. نيازي لمن لا يعرفه ..
هو شاعر وكاتب ورئيس تحرير مجلة الأغتراب الأدبي الصادرة في لندن (توقفت عن الصدور لظروف خاصة منذ سنوات) . وهو أفضل من ترجم الجزء الأول من رواية يوليسيس لجيمس جويس، التي يعدها النقاد أعظم رواية صدرت في القرن العشرين. مبرزاً أخطاء مترجمها طه محمود طه في ستينيات القرن الماضي. ومسرحيتي هاملت ومكبث لشكسبير. مبرزاً كذلك أخطاء ترجمة خليل مطران لمكبث. وكان ميخائيل نعيمة في كتابه (الغربال) سخر من لغة مطران في ترجمة مكبث!

مناسبة هذا الكلام أن الصديق العزيز الدكتور صلاح نيازي يعاني منذ سنوات من مرض عضال. أتمنى له الشفاء العاجل بكل ما للشعر من طاقة على الحب وأصدق التمنيات. وأعيد نشر القصيدة التي أحبَّها الصديق العزيز صلاح نيازي لمناسبة العام الجديد 2021. وأتمنى أن يكون عاماً ملؤه الأفراح والمسرات لكل البشر. وطبعاً لأُمِّنا العظيمة الأرض.

* قصيدة حب إلى الأرض
طارق حربي
أوقفني خَفْضُ جناحينِ على باب اغلقها النسيانُ وقال: افتحني، هذا أول سكري يفتك بي فكيف بسكري الثاني؟! ذلك اول ألحاني فإذا أول ألحاني يضمره وترٌ مقطوعٌ في ليل الحان. وفتحت الباب وناديتُ سرابي : يا عطش الساعة أمهلني حتى موج الليل ونوم الحيوان بقلب الريح، فالملاحون أتوا بالماء وصورته. والصيادون رموا بشباك الصيد على كاهل نجم لا يسطع. ونهار لا يطلع. أوهمني صحوٌ ألبَسَني خِرقَةَ أنكَ مفقود في ظل سنونوة، إن شئتَ نجوتَ وإن غبتَ فمحجوبٌ في أبد الانوار. وكان الناس حيارى ما طلعتْ شمسٌ أو غَرُبَتْ في عينينِ بلاد، حتى أوشك من فرط هواني ـ أن أصرخ : أظلمَ كوكبُنا في صدر الانسان، وتفرَّقَ فينا الشملُ على أول منعطف قبل رحيل الغيم. أدناني صوت جَرَّحَ صمتَ الأرضِ : أقسمُ انك موصول يا غسقي بنقائض هذا البحر، فاسمع همس الطير ولعثمة النسمات. ترنَّحتُ طويلاً حتى جَزّأني صوتٌ شيعاً في ومضة برق : لا تقرأ ما يكتبُه حقلُ رماد في لفتة طير هاجر معصوب العينين! وأعِدْ ما لا تمحوه الألوانُ على حجر ينصتُ : ما مرَّ جَناحٌ إلا وتركنا فيه ظلالا هائمة. ورأيتُ بأنّي آخذ هذي الكرة الارضية في أحضان سرابي. أُسرّحُ شعر صباها، أكتبها أمحوها أسردُها أنساها أذكرها. بَدَّدَني خيطُ دخان حتى ما عدتُ أفرّقُ بين طيوف توجعني فيكَ وحرفِ هجاءٍ مكسورٍ في لغتي. يلمعُ نهرٌ تمشي الأشجار إليه وتعيدُ عليه صلاة بحروف فصحى. قالت: ألهاني قدحي عن لثم يديك، وأنا يخفضني سرُّ هواكَ ويرفعني ـ تحتَ سماءٍ أخرى ـ فجرُ يديكَ الحاني.
Oslo/Norway
2000
* يظهر في الصورة الصديق الشاعر صلاح نيازي والصديق الشاعر هادي الحسيني وأنا على هامش المهرجان.