جمهورية رفحاء
الفصل الأول
انتفاضة آذار في محافظة ذي قار
غالبا مايؤرخ لإندلاع انتفاضة آذار من مدينة البصرة، فبعدما انسحب الجيش العراقي مهزوما من الكويت، توقف جندي بدبابته في ساحة سعد، وأمطر جدارية للطاغية بالقذائف فدمرها، وتلت فعاليات لم تقتصر على تدمير صور الطاغية البغيضة وجدارياته، بل تعدت ذلك إلى الهجوم من قبل أبناء البصرة، على مؤسسات النظام القمعية من أمن ومخابرات وإستخبارات ومنظمات حزبية وغيرها، ثم سرت نار الإنتفاضة في بقية المحافظات والمدن العراقية صغيرها وكبيرها، متزامنة أو متفاوتة في التوقيت، عدا الرمادي والموصل، والعاصمة بغداد إلا في المناطق الشيعية، فأخمدت بالنار والحديد.
  في الحقيقة يمكن قول ذلك في عفوية الإنتفاضة وفوران الجماهير العاطفي والوجداني، لكن على سبيل التخطيط والقرار والإرادة، فلايمكن إلا ذكر ليلة المجري، التي سبقت اندلاع الإنتفاضة بأيام شاهدا على ذلك، في الحق فإني أول ماسمعتُ عن تلك الليلة، كان في مخيم رفحاء من رجال الأهوار أول ماوصلنا، واستفسرت بفضول وحماس من يريد تدوين صفحات عن الأحداث والحقائق، عن فعاليات الإنتفاضة في الأقضية والنواحي والمناطق النائية التابعة للناصرية، وقيل لي يومها، بأني يمكن أن أعرف أسرار ليلة المجري من رجال عشيرة آل جويبر خاصة، ومعروف مانال تلك العشيرة على يد النظام المجرم من حملات القتل والتهجير، وإضرام النيران في بيوتها الآمنة وتشريد أفرادها في الأهوار.
 اصطحبني أحد الأصدقاء إلى مضيفهم وكان على صلة طيبة بهم، فوجدتهم رجالا كرماء أشداء كاتمين للسرّ،  فلم أستطع الظفر منهم بكلمة واحدة، بحق مادار في تلك الليلة، لكني آمل في المستقبل كشف أسرارها ومادار فيها، بغية توثيق كل شيء عنها وعن الرجال والعلامة الدالة على قرار عراقي وطني مئة بالمئة، بإضرام نار الإنتفاضة.
 وتقع منطقة المجري في أعماق الأهوار، حيث التقى رجال عراقيون إسلاميون ينتمون إلى حزب الدعوة الإسلامي العراقي، برجال من مناطق الأهوار بينهم من عشيرة آل جويبر أنفسهم، واتفقوا على موعد لإشعال نار الإنتفاضة وحددوا ساعة الصفر وقرأوا سورة الفاتحة، قبل أن يشرعوا بعملهم في المناطق المحاذية للأهوار وسوق الشيوخ والأقضية والنواحي التابعة لها، ثم الإتجاه بعد ذلك إلى الناصرية.
  إذن صار لدينا رأيان لتأرخة بداية الإنتفاضة، وهو مااختُلفَ عليه مثلما اختلف على تسميتها شعبانية تارة وآذارية مرة!!، فالمتدينون الشيعة يرونها شعبانية لأنها اندلعت في هذا الشهر، على عكس الجماهير العراقية العريضة، وتلك رأت قيامها في آذار، كافيا لتوصيفها وإسنادها إلى هذا الشهر كذلك!، ولعلهم أرادوا من ذلك تفريق وجهات نظرهم ومعتقدهم عن المتدينين.
 ولكيلا ننشغل بتواريخ وإختلافات لاقيمة كبرى لها في مجريات الأحداث، طالما أن الإنتفاضة وقعت وأدت جملة من أغراضها رغم فشلها المؤسف، دعونا نلقي نظرة على الظروف السائدة يومذاك، فثمة عوامل ساعدت كثيرا على اندلاع الإنتفاضة، ومنها الهزيمة المنكرة التي لحقت بالجيش العراقي، وهو برأيي في مقدمة تلك العوامل، فخلال مئة ساعة من هجوم قوات التحالف البري، وماسبقة من التحطيم شبه الكامل للإقتصاد العراقي، وخروج العراقيين من حربين مدمرتين عبثيتين، ووصول النظام الفاشي في العراق إلى حالة، وقتت في نفس كل مواطن عراقي ساعة الصفر، وضرورة الثورة على واقع دموي وليل بعثفاشي طويل.
  معلوم للجميع أن الحرب الجوية التي بدأ بها الحلفاء، لم تصوب صواريخها إلى الأهداف العسكرية فقط، بل نحو البنية التحتية بكل مافي كلمة تدمير من معنى : مصانع إنتاج الطاقة، وسائل النقل وشبكة الاتصالات، سكك الحديد ومصانع الفولاذ، محطات انتاج النفط، النشاط الصناعي ككل، الجسور، المدارس، المستشفيات، المخازن، وبيوت الناس. إنها ولامراء في ذلك حرب جراحية      
تشريحية هائلة، وكان الدمار الذي خلفته هائلا أيضا، وبكثير من الأسف نسمع ونقرأ، بأن تلك الهجمات التي وقعت على بلادنا الحبيبة، أعادته إلى القرن الثامن عشر!، بكلمة أدق : إلى المشحوف والفانوس وفتاح الفال والتعاويذ وغير ذلك، وهي نتيجة طبيعية للتدمير آنف الذكر، الذي شمل كل مرافق الحياة في العراق.    
***
  لكن كيف استطاع العراقيون أن يشعلوا فتيل الإنتفاضة، في أربع عشرة محافظة في وقت واحد تقريبا، علما أن القصف الجوي لقوات التحالف، الذي استمر لأكثر من 40 يوما، لم يترك وسيلة اتصال بين المدن إلا ودمرها، من الجسور إلى الإتصالات السلكية.
  في رأيي فإن الروح العارمة للشعب العراقي، كان حمّسها ماقد آلت إليه الأوضاع آنفة الذكر، فتساوت في الخسارة الفادحة كل قطاعات الشعب وشرائحه، بحيث لم يبق عذر إلا في مواجهة حادة وصارخة بينه وبين النظام.
وسرت روح الإنتفاضة من بيت إلى بيت ومن شارع إلى شارع ومن مدينة إلى مدينة، وقف الناس في الشوارع وعلى شواطىء النهرين الخالدين وقرب الجسور المحطمة، وتجمعوا في الكَراجات العامة يستفسرون من المسافرين، لاسيما الجنود المهزومين العائدين مشيا على الأقدام من الكويت، وكان هؤلاء اتخذوا طريقين : الأول بإتجاه الناصرية فالسماوة فالفرات الأوسط، والثاني بإتجاه الناصرية فالحي فالكوت فبغداد.
***
 وحطمت قبضات العراقيين وأسلحتهم خلال ساعات، كل ماله صلة بالنظام البعثي الدموي، وأشعلوا النيران في المؤسسات القمعية والمنظمات الحزبية وبيوت الحزبيين، وقتلوا من الحزبيين الكثيرين ومن عناصر الأمن والإستخبارات والمخابرات والمخبرين والمتعاونين وغيرهم.
***     
  وسرعان ماأطلق إعلام النظام الساقط صفة الغوغاء على عموم المنتفضين، والغَوْغَاءُ حسبما ورد في موسوعات اللغة هم : الدّهماء والرعاع، الصَّوت والجلبة؛ كان غوْغاءُ المحاربين يملأ الفضاء، السِّفَلَةُ من النَّاس لكثرةِ لَغَطِهم وصياحهم؛ شاعت الفوضى عندما ملأ الغَوغاءُ السُّوقَ، الجرادُ حين يخِفُّ للطَّيران...إلخ
 وواضحة محاولة النظام العبثية، كعادته في الحطِّ والإنتقاص من قيمة الشعب العراقي، وتطلعاته نحو الحرية والخلاص والمستقبل، والنيل منه بمفردات النظام السوقية والإناء ينضح بمافيه، محاولا طمس الحقائق وتغييب الوعي الجماهيري والكذب والتزوير، لقد اتهم اتهم راديو بغداد رجال الإنتفاضة ووصفهم بالمخربين القادمين من إيران!!، طبعا هذا غير صحيح وأنفيه هنا للتأريخ جملة وتفصيلا، ففي الناصرية لم أشاهد إيرانيا واحدا وكان من حرض على الإنتفاضة هم أبناء المدينة أنفسهم، كبارا وصغارا نساء ورجالا، وبينهم رجال تنقلوا بين الأهوار والناصرية وإيران، بحكم أن مناطق الأهوار كمانع طبيعي يصعب على مرتزقة النظام استباحته، رغم الحملات المتلاحقة بإحراق مساحات واسعة منه، وأعني غابات القصب وتدمير بيئته، أو بإرتكاب الجريمة البشعة بتنشيفه وتشريد سكانه الذين ينتمون إلى أصول سومرية، واستوطنوا الأهوار منذ آلاف من السنين، وجدير بالذكر أن الأهوار في أمست موئلا للأحزاب والشخصيات المناوئة للأنظمة التي حكمت العراق، لاسيما في منتصف القرن الماضي، كما شهدت انطلاق فعاليات معارضة للبعث الفاشي خلال سني حكمه القره قوشي، وللأهوار ايضا مدلولات الكفاح المسلح والمعارضة في التأريخ السياسي العراقي، وكان هؤلاء الإخوة القادمون من الأهوار قليلي العدد، وصلوا قبل أيام وأسابيع إلى الناصرية واختفوا في بيوت سرية، ثم خرجوا منها إما قبل يوم أو يومين أو أكثر، ويشهد الناس في الناصرية أنهم قاموا بعمليات سبقت الإنتفاضة، وأعني الهجوم مع مجموعات إسناد على عدد من مخافر الشرطة، وأوكار الحزب ومباني الأمن والإستخبارات، ومن بينهم حيدر كامل برهان، وحسن شناوة يعقوب الذي كان يلزم بيته نهارا، ويخرج ليلا في مهمات، وأبو جلال الناصري وحيدر آخر لم أتمكن من معرفة إسم أبيه وأبو ثائر، إضافة إلى رجال آخرين بأسماء حركية، سأوثق أسماءهم بالتمام بعد عودتي إلى الناصرية إنشاء الله.
  أما حيدر كامل برهان فقد قاد عمليات استشهادية قبل اندلاع الإنتفاضة، كما سنرى في فصول لاحقة في شهادة أبو حبيب، وكان حيدر (أبو أمين) معنا في مخيم رفحاء، ومطلوبا من قبل السلطات السعودية لتسليمه إلى نظام الطاغية!!، ضمن قوائم بنشطاء الإنتفاضة وصلت إلى المخابرات السعودية عن طريق المخفر الحدودي، وتم تسليم الكثيرين بموجبها، وعاش حيدر متخفيا بين الخيام شهورا طويلة إلى أن غادر إلى إيران بإسم مستعار، ومن هناك ذهب في مهمات قتالية إلى بغداد نفذها كلها، قبل أن يستشهد في واحدة منها، أما حسن شناوه، فقد بقي في الناصرية وقاتل الحرس الجمهوري، ولاأحد يعرف مصيره لحد الآن، وغيرهم من أبناء الناصرية، ممن كان مصيرهم إلى المقابر الجماعية أو مرّوا بغرف التعذيب في المخابرات والأمن العامة.
 لكن أسباب الإنتفاضة على الطغيان موجودة في نفس كل عراقي، متدينا كان أم غير ذلك، ولم تكن تحتاج يومذاك إلا فتيلا لإشعالها، فأشعلها أبناء العراق كافة، بغض النظر عن أديانهم ومذاهبهم وأعراقهم وقومياتهم.
***
  كان كبار السن في مدينتنا يقولون، كلما شاهدونا مسلحين مجتمعين حول بيت السيد راضي (صار قبلة لأبناء الناصرية وغرفة حركات وإصدار الأوامر وقد أفردنا له فصلا خاصا)، بأن علينا سحق رأس الأفعى في العاصمة!!
 هم كانوا يقصدون طبعا رأس النظام، حيث توالت الأيام وهو مايزال جالسا على كرسيه، وكانت حيرة حقيقية بنوع أنك يمكن أن تشعر بها في شوارع المدينة، وتقرأها وتلمسها في عيون الناس وتصرفاتهم، وبتوصيف آخر : كانت الحياة واقفة على قدم واحدة!، إذ لاشيء يحرك سكون مابعد اندلاع الإنتفاضة بأيام، كما لم يحصل أي تغيير جذري في بغداد، يعيد إلينا الثقة بأنفسنا.
  ووقفت فئات وشرائح من مجتمع الناصرية منتظرة حول بيت السيد راضي، وقفوا وقفة من له هدف في العراق المحطم، ولاأسمى من ذلك الهدف : إسقاط الطاغية ونظامه ومتعلقاته وزمانه والظروف التي أنشأته، وتنقية أجواء العراق من دخان الحروب، وجعل الحياة تنطلق من عقالها كأحسن مايكون عليه الإنطلاق.
***
 ذاق العراقيون في بعض المدن المنتفضة حلاوة النصر على الطاغية، لمدد تراوحتْ بين أسبوع واحد وأسبوعين وأكثر أو أقل، نحن عشنا في الناصرية نحو 12 يوما، لاتشبه كل الأيام في حلاوتها وغبطتها، وكان ذلك قبل أن تستبيح قوات الطاغية، نصف المدينة الأول الواقع شرقي الفرات، لتعبر إلى الجهة الثانية بعد بضعة أيام، فتتصدى لها مجاميع من أبناء الناصرية وسوق الشيوخ، إلا أنهم - للأسف- لم يستطيعوا الصمود طويلا، أمام قوات نظامية مدربة شرسة ومتوحشة وطائفية.
  ***
   الإنتفاضة فورة عاطفية وجدانية عارمة كان ينقصها التنسيق والتنظيم،  فَجَّرَها عموم الشعب العراقي، ووجدت لها ساعة صفر مناسبة خارج كل الحسابات السياسية، فكادت أن تقتلع الطاغية ونظامه، وهي من جهة أخرى استفتاء صحيح مئة بالمئة على استفتاء مزيف مئة بالمئة، وأعني مهزلة الإستفتاءات السنوية، أو بين سنة وأخرى لإنتخاب صدام رئيسا أبديا، بإختصار : استفتاء الأمة العراقية وتصويتها على مشروع الحرية والخلاص، ووقع الملايين بدمائهم في أول فرصة سنحت لهم، أي بعدما استرخت قبضة النظام المضروب توا في صميم مؤسساته القمعية، وبنيته الفاشية التي كبلت الشعب العراقي وذبحته في الحروب وطمرته في المطامير.
  ومما لاشك فيه فقد أعطت الإنتفاضة للعراقيين فسحة من الوقت لتامل النفس، والبدء بحياة حرة كريمة جديدة، أو على الأقل هكذا خيل إلينا في تلك الأيام قبل أن يستبد بنا اليأس، وبدا كما لو أن كل أحلام شعبنا ستتحقق بنهاية النظام الدموي القمعي. 
 كذلك أرى أن الإنتفاضة فاصلة بين زمنين : زمن عشناه وعرفناه وحسبناه بالأيام والشهور والسنين، وقلنا انتهى كل شيء وها نحن نعيش ذروة النصر، وزمن آخر لم نكن نتوقع فيه، أن تطيل الولايات المتحدة وأوروبا في عمر صدام ونظامه، لأكثر من اثني عشر عاما جديدة، ومارافق ذلك من مسرحية الحصار الجائر ضد شعبنا والمقابر جماعية والتنكيل وحملات الإبادة والتشريد والتهجير.
 وأثبتت الإنتفاضة بمالايدع مجالا للشك، أن الشعب العراقي روح حية غير مستخذية ولامستسلمة لقدرها السياسي، كما كان يحلو لكثير من العربان أن يصفوه، بعدما قام النظام بالتفريط بالهوية الوطنية العراقية، وبالمواطن العراقي، وأن هاجس الحرية والخلاص من الطغيان تسري أبدا في دماء الشعب، ورأيت سلامة الفطرة وتآخي الناس ووحدتهم ووجدانهم العاطفي المتساوق مع الوطني والتحرري، منذ اليوم الأول لإندلاع الإنتفاضة، ونسي الناس كل شيء متوجهين نحو هدف واحد وهو اسقاط النظام.
  ولاشك أن الإنتفاضة أسست في بنية الشعب العراقي النفسية، دلالات المجد والنصر على الطغيان والخلاص من العبودية، وهي حدث مزلزل وانعطاف مهم في تأريخنا الحديث، يمكن وضعه إلى جانب ثورة العشرين المجيدة علامتين مضيئتين في تأريخنا، من هنا تصبح الإنتفاضة نقطة تحول بحيث لايمكن في مستقبلنا، تحت أي ذريعة أو سبب أو ظرف، أن يقوم ظلام بعد اليوم كالظلام البعثي الطويل، والإنتفاضة مفيدة لتعزيز التجربة الوطنية واستحقاقات بنائها على أسس جديدة، أي أنها نقطة انطلاق وتحرر وعتق.
والإنتفاضة إبنة شرعية لكل انتفاضات الثكنات والوثبات وخان النص والدجيل والسجون
      وصفر عام 1977  وغيرها، لكن الفرق بينها وبين تلك الإنتفاضات المجيدة،  أنها شملت عموم الشعب العراقي والأرض العراقية تقريبا، في مواجهة مع النظام القمعي.
 
***
 بعد وصولي إلى مخيم رفحاء بالمملكة العربية السعودية (يونيو/حزيران 1991)، بأيام قليلة، بدأت بتدوين فصولا من شهادات المنتفضين، من أبناء الناصرية أنفسهم، أجالسهم في خيامهم وحسينياتهم ساعات طويلة، من أفواههم أسجل مشاهداتهم وفعالياتهم وماسمعوا عنه وماعاشوه، ممحصا متسائلا، خشية أن ترد معلومة غير صحيحة، مدققا التواريخ إن وجدتْ، مصححا في هذه الشهادة أو تلك، لاسيما بعد أن يتذكر الرجال جملة ضرورية أو كلمة نسوها أخلَّتْ بالشهادة فتُصحح.
  من طرفي كنت أشعر بنشوة مضاعفة وسعادة لاتوصف، وأنا أجلس إلى هؤلاء الإخوة الأعزاء، مدونا تحت ضوء فانوس شحيح في صحراء معزولة، متمتعا بصدق الرجال وتضحياتهم بأنفسهم من أجل الوطن، كتابة حقيقة من أعظم الحقائق التي شهدها تأريخ العراق الحديث، وكانوا بسطاء بساطة النهرين العظمين.
***
طوال الإثني عشر يوما من عمر الإنتفاضة المباركة في الناصرية، كنت أعيش السعادة القصوى والفرح كله، وتلاشت كل آلامي ورأيت نفسي إنسانا جديدا، وأنا أقوم مع منتفضين آخرين بنقل الأسلحة من بيت السيد راضي إلى مبنى المحافظة، أو زيارة السيد أبو رسول أحد القواد الميدانيين، بصحبة الصديقين عدنان فالح وسعد الموسوي، طارحا عليه فكرة تشكيل جيش يتصدى لقوات الحرس والأمن الخاص، وكانا يزحفان باتجاه مدينتنا بلاهوادة، بعد أن قمعا كل المدن المنتفضة في الطريق من الصويرة فالكوت فأقضية ونواحي الناصرية، أو مناقشا السيد بفكرة إطلاق إذاعة كان المنتفضون غنموها من مديرية المخابرات، أو مقدما المشورة له بضرورة الحديث مع فريق تلفزيوني امريكي (كان يتهيأ للقاء به قادما من قاعدة الإمام علي المحتلة)، عن أن الإنتفاضة ليست شيعية محضة، بل قام بها العراقيون كافة : بأعراقهم وإثنياتهم ومذاهبهم وقومياتهم، أو متحدثا بحماس مع الأصدقاء والناس والجيران عن الإنتفاضة، وضرورة ديمومتها والمشاركة فيها، أو باحثا عن حلول تخلص مدينة الناصرية من الخطر، سواء وقوات الطاغية تطرق سياجها الشرقي أو خلال استباحتها المروعة فيما بعد. 
   ببركات الإنتفاضة أصبحت المدينة مخلصة لنفسها أكثر، وعادت إلى طبيعتها السوية عراقية حميمة، أما الناس فقد نسوا خلافاتهم ومشاكلهم إن وجدت، وبزوال يد الطغيان الأثيمة عن الناصرية الحبيبة، لمست لمس اليد الوحدة الوطنية والتآلف ومعاني التضحية وقيم الرجولة، والروح العراقية الحقة سرت في الشارع بعدما حاول الطاغية مسخها فينا لكن دون جدوى.
***
ومن بين أهم أسباب فشل الإنتفاضة :
 1- الهوية الشيعية للإنتفاضة :
لعل هذه من أبرز الأسباب التي وجهت ضربة قاضية إلى الإنتفاضة، عبر حرمانها من أي دعم عربي ودولي بسبب هويتها الشيعية المذهبية، على الأقل في مناطق الفرات الأوسط والجنوب ذي الأغلبية الشيعية، ولاشك أن الشعارات الشيعية وإبراز رموزها صورا وإشارات وتصرفات ومعاني، بدت أحيانا متطرفة ولاتنتمي إلى المذهب، بل وحتى خارجة عن معروف الشيعة ومنهجهم، إذا ماحللنا تطرفها واستقرينا أنساقها الغريبة عن طبائع المجتمع العراقي، تلك الشعارات استطاعت بعزل الأفكار عزل فئات مختلفة من الناس، وتهميش ذوي النزعات المغايرة، وبدا الجو خانقا بعدما انعقد لواء الإنتفاضة للمتدينين، دون غيرهم منذ الأيام الأولى تقريبا، وكان لزاما على الكثيرين أن ينسحبوا من الحلبة بعد أيام، بينما بقي الكثيرون غيرهم أيضا، بإختصاركان علينا تلقي خطاب المتدينيين كما هو، مستسلمين لأقدار عراقية محضة، أيا كانت لايهم كثيرا، مادامت الإنتفاضة نجحت في جملة مهمة من أهدافها.
  وكانت الفئات المذكورة ممن لايجدون مواثيق من ربوبيين وبسطاء بلاعقيدة، وممن لم يجددوا حبل الوصل أو على الأقل إدامته مع المذهب الشيعي، رغم انتمائهم إليه أبا عن جد!، وآلاف من الجنود ممن تمردوا على أوامر ضباطهم فتركوا وحداتهم نهائيا، وكانوا قبل ذلك يعجبون كيف يعودون كل مرة إلى الناصرية سالمين!!، دون أن يفقدوا حياتهم أو أعضاءهم الآدمية في معامع الحروب العبثية، وعشرات من السكيرين لايدرون (طشَّت لو رشَّت!!) ، وأبناء عشائر استوطنوا الناصرية في السنوات الأخيرة، في هجرات متواصلة، بإنقطاعهم عن بيئتهم الأصلية انقطعوا وانفصلوا عن الكثير من الإلتزامات العشائرية والدينية والمذهبية، منغمرين في الملذات ماوسعهم ذلك، بعد فقدانم لآبائهم في الحروب، وحصولهم على امتيازات السيارة والأموال وغيرها، وآلاف من المثاليين والطهرانيين والمترددين والمندفعين أكثر مماينبغي، وطيبين حسني النيات، ومتشددين لحياة متحررة منطلقة على سجيتها، وفنانين وكتاب وأصدقاء لهم يهتدون بهديهم، وفئات واسعة غيرها من مجتمع الناصرية الجديد، نتاج القمع والحروب والطغيان والتمرد على الطغيان، وجل هؤلاء تمخضت عنهم حركة الحياة في المدينة ودورات الزمان المتكررة، فأنتجوا أحزابا وفلسفوا الحياة على هدي من ماركس أو جيفارا أو الحداثة أو أفكار التمرد والإنعزالية وغيرهم،  أو أن الإحباط السياسي الذي شمل المجتمع نتيجة للطغيان، قد أهلهم إلى مرحلة قد تكون متقدمة من اليأس، من كل شيء في الحياة، بعد الخراب الذي عم الروح والوطن والزمن والناس وغير ذلك كثير كثير!
  
2- عدم وجود خطاب وطني معارض موحد :
انعدم أي نوع من الخطاب المعارض الموحد خلال الإنتفاضة ، فالأحزاب المعارضة في الخارج، ورغم ماإتفق عليه في مؤتمري بيروت ودمشق، بقيت تتنازع فيمابينها وتتناحر محاولة، كل فصيل بما أوتي من قوة، أن يحسب نفسه وكأنه هو لاغيره من فجر الإنتفاضة، لاستثمار مكاسبها وقطف ثمارها لصالح برنامجه وإيديولوجيته، لكن هذه الأحزاب وقفت موقف المتفرج خارج العراق، فلم تنزل إلى الداخل وتعضد الإنتفاضة بخطابها وتوجه طلائع المنتفضين إلى برنامجها، وبدا الأمر كأن لاعلاقة لمعارضة الخارج بمايجري في مدن العراق  وشوارعه.
3- انعدام التخطيط وضعف القيادة الميدانية:
فرضت عفوية الناس واندفاعهم بوجدانيتهم العراقية المعروفة، انعدام التخطيط وممارسته على الواقع العراقي بمفردات التغيير الجديدة، أضف إلى ذلك ضعف القيادة الميدانية وعدم سيطرتها على الشارع، كما لم يكن هناك أي نوع من التنسيق بينها وبين القيادات في المدن الأخرى.
 4- توقف الإنتفاضة في الشمال وعدم دخول قوات بدر إلى العراق:
توقف الأكراد بعد تحرير المنطقة الكردية، عن مواصلة الزحف عند حدود الموصل وصلاح الدين وبغداد، وأشيع في وقتها بأن الطاغية هددهم بجريمة كيمياوية على غرار جريمة حلبجة، هذا من الشمال أما من الجنوب فلم تصل قوات بدر، وكنا في الناصرية نحسب لكلا القزتين من شمال الوطن وجنوبه ألف حساب، للإلتحام بالجماهير المنتفضة والزحف إلى بغداد، في صيغة أقرب ماتكون إلى حلم يتحقق!
 وأحسب أن ذلك الإلتحام لو وقع فعلا، بروح الوحدة الوطنية الماضي إلى تحقيق هدف الخلاص الناجز من النظام، إضافة إلى ارتباك وخلخلة مفاصل النظام نفسه وبنيته القمعية، زائدا الإعلام الدولي الذي كان موجها ضده، لو تلاحمت كل هذه العوامل لكُتب للإنتفاضة النجاح، ولوفرنا على شعبنا إثني عشر عاما من الحرية والديمقراطية والبناء والتقدم والرفاهية.
5- تفوق قوات النظام على المنتفضين من حيث العدد والتسليح:
 على بوابات المدن المنتفضة، وخلال المواجهة بين رجال الإنتفاضة وقوات الطاغية، تفوقت الأخيرة من حيث العدد وقوة النيران وسهولة الإتصالات، ومرونة الحركة بالآليات والدبابات والطائرات ذات الأجنحة الثابتة.
6-الموقف الأمريكي:
  أ- حسب اتفاقية خيمة سفوان المذلة لصدام، سمحت قوات الحلفاء للنظام بالكثير من التسهيلات، ومن بينها بتحليق الطائرات الهليكوبتر، ماأعطى للطاغية قوة إضافية هائلة للإنقضاض على الإنتفاضة وسحقها، ومن جهة ثانية فإذا صحَّ أن قصف طائرات التحالف دمر معظم البنية التحتية، فإنها أبقت للطاغية من الأجهزة القمعية وفرق الحرس الجمهوري ومخازن عتادها، مايكفي ويزيد   لسحق الإنتفاضة!      
ب- الخلافات في داخل الإدارة الأميركية نفسها، حيال القضية العراقية، فبعد طرد الجيش العراقي وتحرير الكويت واتفاقات خيمة سفوان، وتأمين مصالح الولايات المتحدة وحليفاتها الأوروبيات، بدا أنه ليس من تلك الدول الإطاحة بصدام، فأخرت ذلك على حساب الشعب العراقي لمدة اثني عشر عام!  
7- تأثير الحصار الإقتصادي:
 - معلوم أن الإنتفاضة اندلعت والشعب العراقي يعيش أسوأ كارثة اقتصادية، متمثلة بالحصار الاقتصادي الظالم ضد الشعب وليس ضد النظام، وفي رأيي فقد ساهم الحصار إلى حد بعيد، إضافة إلى الأسباب آنفة الذكر، في اندلاع الإنتفاضة، لكن مماثبط في العزائم كان كارثة الجوع السائدة أيامذاك، وكان الكثيرون يحتارون بين توفير لقمة العيش اليومية وهي شحيحة، والتفرغ لبرامج الإنتفاضة ومواجهة قوات الطاغية، وقد تمكن الجوع من تشتيت مجاميع كثيرة من رجال الإنتفاضة. 
8- عدم قدرة الإنتفاضة على الوصول إلى العاصمة.
 لم تستطع الإنتفاضة وأعني بها في عموم العراق وليس في الناصرية حسب، مد طوفانها الجماهيري إلى العاصمة، بغرض الإلتحام بفئات وتيارات معارضة ومناطق شيعية مسحوقة على أقل تقدير، نالت مانالت من ظلم وعسف الطاغية، لذلك بقيت الإنتفاضة تراوح في مدنها الصغيرة والكبيرة بلا أهداف واضحة أو خطاب موحد يطور برامجها الميدانية.
 9-عناصر مندسة:
ميدانيا شاهدنا في الناصرية، مايمكن كذلك تعميمه على مناطق أخرى منتفضة، لاسيما في المناطق الشيعية، شاهدنا شخصيات تدّعي الديانة وقراءة الأدعية بلحى ومسابح وعلامات خضراء مشدودة على الرؤوس!!، وفي ذلك الخضم الهائل لم يكن من السهل تمييز تلك الشخصيات عن المنتفضين الحقيقيين، وكان ان قام الكثير من هؤلاء بتليم قوائم إلى الحرس بعد استباحة الناصرية، وصاروا مشخصين وأدلاء على وجوه المنتفضين وأماكن سكناهم وتواجدهم.  
10- دور الإعلام العربي والعالمي :
 كان للإعلام العربي دور غير مشرف بل وخبيث، عبر وصفه للإنتفاضة بالعصيان الكردي في الشمال والتمرد الشيعي في الجنوب، وذلك للتقليل من شأنها الشعبي وقرارها الوطني المحض بالتخلص من الطاغية، ماأعطى الأخير ورقة رابحة بيده ضد شعبنا ليسحقه، مصورا للعرب والعالم بأن الإنتفاضة حدثت بدعم خارجي!!، لايريد للعراق الإستقرار، وبهوية شيعية في الجنوب ستجعل المنطقة بمافيها آبار النفط، قلقة وعلى كف عفريت.
 اما الإعلام العالمي الذي كان متوجها لإسقاط الطاغية، فقد صُدم حقيقة بالصور والشعارات الشيعية العراقية والإيرانية، التي رفعتها مجاميع متشددة من المنتفضين، وربما كان ذلك سببا مباشرا لخشية الولايات المتحدة الأميركية والغرب عموما، من تكرار تجربة الجمهورية الإسلامية في العراق.   
 11-انعدام الدعم اللوجستي إقليميا وعربيا ودوليا :
لم تحصل الإنتفاضة على الدعم اللوجستي الإقليمي والعربي والدولي، المناسب لإستمرارها وديمومتها حتى الإطاحة بالطاغية ونظامه:
- فإيران ورغم أن المنصوص عليه في دستور الثورة الإسلامية، من دعم ومساندة الشعوب المقهورة والمبتلية بطغاتها، ورغم ماأبدته إعلاميا من ارتياحها بإسقاط الطاغية (هذا هو المعلن في باديء الأمر، لكنها للأسف وقفت إلى جانب النظام فيما بعد ضد أي جهد لإسقاطه!)،  على أية حال لم تقدم إيران دعما لوجستيا للإنتفاضة، بل ولم تسمح لقوات بدر بالنزول إلى أرض الوطن والمشاركة الفاعلة في القضاء المبرم على الطاغية، وإذا كان وصل عدد قليل من مقاتلي قوات بدر، فإن هؤلاء تسللوا بطرق مختلفة إلى المناطق الشمالية والجنوبية، وقامت إيران بتجريدهم وغيرهم من المتطوعين من الأسلحة.
وكان للسعودية دور كبير في إفشال الإنتفاضة يسجله عليها الشعب العراقي جيدا، وهذا الدور ستراتيجي طائفي سياسي اقتصادي، له صلة بيدها الممتدة إلى صدام بالأموال وشراء صفقات الأسلحة خلال الحرب العراقية الإيرانية، وطبعا إسهامها في إدامة أمد الحرب الملعونة، وسكوتها بل ومساهمتها بذبح الشباب العراقي في محارق الحروب.  
 ***
الإنتفاضة درس وطني وتاريخي مشرف لنا نحن العراقيين ولأجيالنا القادمة، من هنا أنادي مجلس الحكم الموقر والحكومة العراقية الموقرة القادمة، بأن يكون للإنتفاضة مركز دراسات تضم وثائقها، وصورا لشخصيات قادتها، وتجمعاتها وعشائرها ومقاتليها ممن تصدوا لقوات الحرس والأمن الخاص، كل في مدينته ومنطقته، وأسماء الشهداء والمجروحين والمعوقين خلال الإنتفاضة، ومن استشهد في المقابر الجماعية والتعذيب، وأسماء الرجال ممن قاموا على خدمة مدنهم والدفاع عنها وتنظيم حياتها الإدارية، واخيرا أنادي واطالب بإنشاء متحف وطني للإنتفاضة لتوقيرها، كما تفعل كل الأمم الحية احتراما لتأريخها.
لاأزعم أني كتبت كل الحوادث والفعاليات التي جرت خلال الإنتفاضة، وهي كثيرة وربما لم ألم بها بسبب خروجي من العراق مباشرة بعد فشلها، لكني كتبت صفحات ممارأيته وعشته وشاركت فيه مشاركة متواضعة.