رشيد مجيد شاعر المدينة
كان من بين رواد مقهى عزران الأوائل عباس ملا علي، الذي يرتدي العقال ويقدم الدروس الدينية والفقهية في المقهى، والشاعر عبد القادر رشيد الكركوكلي المقيم في الناصرية، وفاضل السيد مهدي ورحمن رضا، وعبد الكريم الأمين، وكاظم جواد وعبد الحسن الملا عمران ورشيد الملا عمران وعبد الصاحب الملا عمران وحمودي الحاج طالب وأحمد النواس ووهاب الحاج ذياب إضافة إلى الشاعر رشيد مجيد (1922-1998)، ويعرفه العامة بإسم رشيد المصور، هو رشيد مجيد سعيد محمد صالح العنزي المولود في محلة السراي من متصرفية المنتفك، مارس مهنة التصوير اليدوي، ثم التصوير الفوتوغرافي، والخط، والرسم، إضافة إلى عمله في سينما الأندلس الصيفي وسينما البطحاء الشتوي، وموظفا في الإدارة المحلية لمدة 27 سنة أحيل بعدها إلى التقاعد.شاعر(فلنملأ الأقداح ياصيف العطاشى طالما أينعت الكروم) من طراز خاص، ابن مدينة معروف لكن يعيش وحدته وعالمه، قلق الوجود متفكر به ومؤنسه، يمشي وحيدا على ساحل الفرات متأملا أمواجه الخالدة، مفكرا بالشعر صنوه، الذي قضى عقودا من حياته في نظمه، كانت القصيدة بالنسبة لرشيد ملاذه الأخير في عالم متغير.يتذكر الكثير من أبناء الناصرية الشاعر وهو يقرأ قصائده في المناسبات على مسرح بهو البلدية، شعر حماسي وغنائية عالية وأحاسيس مفعمة بالحب والتضحية، تحرك مشاعر الجمهور ويصفق له طويلا، أوقف الكثير من أشعاره على الوطن والزمن والوجود، لكن قصائد الحب شغلت مساحة واسعة من شعره المتأخر.يبدو أن دخول الشاعر إلى عالم الثقافة والكتابة كان محض صدفة، ففي أحد الأيام وقع بين يديه كتاب ماجدولين للمنفلوطي، أول كتاب يقرأه مع زميل له وكانا هاربين من المدرسة (لم يكمل الشاعر دراسته المتوسطة)، ثم توالت قراءته لجبران والأدب العربي والعالمي، يقول إنه كان يميل إلى الأعمال الأدبية التي تنتهي نهاية مأساوية، وكان الأدب العالمي لاسيما الروسي، الذي تصل إلى الناصرية ترجمات له من بيروت والقاهرة خاصة، حافلا بالمأساة والفروسية!شاعر لايكتب مسودات ويمزق الأوراق بل يصحح قصيدته في نفس الورقة!، مستخدما قلم الرصاص والممحاة أو الشطب، أو تصحيحها بالحبر الأبيض، دلالة على وجود القلق المنتج في ذات الشاعر عبر حساسية التعامل مع الورق، ووقفت على ذلك بنفسي وأنا أتطلع إلى مجموعة من الأوراق الضيقة الطويلة، مدون عليها قصائده مع التصحيحات، مصفوفة في غلاف بلاستيكي مما تحفظ بها الجنسية العراقية القديمة![في المرحلة المتوسطة ، بدأت أشعر بميل إلى الرسم، خصوصا عندما نقلت بقلم الرصاص صورة لـ (فريدة) زوجة الملك فاروق، وكانت بمنتهى الدقة مع أنها التجربة الأولى، ولعلها كانت الدافع لممارسة هذه الهواية، التي برزت بها، إلى حد أنني حصلت على البعثة الى لندن من قبل الحاكم العسكري عام 1941 م ، غير أني رفضت، لاعتقادي بانهم سيتخذون مني عميلا لهم!]، الضمير الحي والنزعة المحافظة لمدينة الناصرية وقد ربت عليها أبناءها، وتصل أحيانا إلى البيوريتانتية!، إضافة إلى رومانسية الشاعر ونرجسيته، هذا وغيره جعل بينه وبين بيع ضميره إلى الدول الأجنبية حاجزا! ولم يفعلها شاعر عبر تأريخ الناصرية المشرف، من جهة ثانية أنا أصدق ذلك بعد حوالي 42 سنة من التأريخ المذكور، كانت لي قصة مع الشاعر يمكن فهمها إضافة إلى هواجسه الخاصة، عدم رغبته بالسفر بعيدا عن الناصرية، ففي سنة 1983 وخلال زيارة إلى بيت خالتي ببغداد سألني زوجها الأستاذ معاذ عبد الرحيم، وكان حينذاك يشغل منصب المدير العام للشؤون الثقافية، عمن أرشح من شعراء الناصرية للمشاركة في أسبوع ثقافي عراقي يقام في المغرب، فقلت له بلا تردد (ماكو غير رشيد مجيد!) فوافق، وبعد عودتي إلى الناصرية زرت الشاعر في بيته وطرحت عليه الفكرة بحضور ابنه عماد فرفض على الفور، متعللا بمرضه!، فشعرت بالخذلان لأني كنت أود أن أقدم له خدمة تسعده وفاءا وعرفانا له ولشعره!ومثل الشاعر النرويجي ستين ميرن، المشغول بالزمن والحب، (ترجمتُ له قصائد إلى العربية قبل حوالي 7 سنوات) ، يسير الشاعر رشيد مجيد في شوارع الناصرية، فيما قلبه مشغول بالحب وذهنه بالكليات (علاقة الشعر بالذهن لابالعقل):

ونحن الرحالون
فيا من اطلقت مسيرتها الكبرى
يا من سويت مصائرها، فيما تحصده، أو تزرع
و ملأت جوانحها طمأ، وهوىً مضرم
لو ندرك حكمتك الازلية
فيما تبنيه، وتهدم
فيما تعطي، تعطي
واذا تمنع تمنع
يا من سويت مصائرنا
وهزأت بها وبنا اجمع
وما من شاعر ولدته الناصرية وريثة أول الحرف إلا وكان الحب والمطلق يحرثان دخيلته ويثمل بالكتابة عنهما، لكن الشاعر يتألق في قصيدته الطوفان، حتى أني أشعر كلما أعدت قراءتها، أن شاعرا سومريا أخا لرشيد في العذاب الكوني، كتبها في الألف الثاني أو الثاني قبل الميلاد :
كان الغزو المائي يمط حزام الأفق
فتنبسط الأرض أمام زحوف الغرق الممتد إلى
أوسع من تلك الدائرة الكبرى
وإلى خلف حدود العودة
حيث يموت الموت هناك وينسى النسيان
في الألف الرابع كانت هيمنة الطوفانشغلت المرأة في شعر رشيد حيزا كبيرا لاسيما في قصائده الأخيرة، ويبدو أنه لم يكتب شعرا إلا في نساء تمناهن أو أحبهن، تحدث معهن أو تمعن في ملامحهن!، ولعل ذلك كان أحد الاسباب الذي جعل من قصائده تثب من منطقة الغزل المتعارف عليها في الشعر العربي، إلى الحسية أو اللذة المحرمة، وكما يجني الباعة أرباحهم
فأنا أيضا، أجني ارباحي اليومية
أتسلل للشارع، ألمح أول قافلة نسوية
آلاف الخطوات المنسابة كالنسمة
بين الأكمام
وثرثرة الأمواج الفضية
وألوف الأعين، بل وألوف النظرات العطشى،
وألوف البسمات
ألوف الارداف المرتجة
بين الخصر، وما لا يوصف من أعمدة بلورية
ومجتمع الناصرية مغلق الذكر والأنثى فيه معزولان ومحرومان من بعضهما البعض، لالقاء لهما في الغالب إلا في حالة الإقتران!، وإذ تُعد المرأة هاجس الرجل الأول في المدينة، فهي مخيال واسع للشاعر الشغوف باكتشاف المطلق، والدنو من الكليات والوجد في كليانية الحب، وتأتي قصة الشاعر الغريبة مع حبيبته الأولى (ليلى اليهودية) التي يتذكرها أبناء جيله في الناصرية في سياق الحرمان (ليلى فتاة يهودية، القصة غريبة، لكنها حقيقية وليست من نسج الخيال!، هناك صورة في ذهن أي شاب عن فتاة ما : صورتها، نبرة صوتها، وجدتني في يوم ما أقف أمام فتاة فيها كل الصفات التي كنت احب!، حتى رنة الصوت أحببتها دون سابق معرفة، سألت، قالوا : إنها يهودية، طالبة، كان ذلك في نهاية الأربعينات من القرن العشرين، أحببتها بعنف دون أن تشعر هي، ومن خلال مراقبتي لها، ونظراتي، وابتساماتي، شعرت هي بحبي لها !أحد الشباب اليهود سمع بقصتي من أحد الأصدقاء، فأخبرها بحبي وما كتبته عنها من شعر، وذات يوم، التقيت بها في الشارع، سلمت عليها، ابتسمت، بعد ذلك طلبت من أحد الشباب اليهود أن يأتيها بقصائدي التي كتبتها عنها، وبعد فترة، أوقفت أنا ثلاثة اشهر بتهمة سياسية (الإنتماء للحزب الشيوعي) وبعد أن أطلق سراحي، لم أر صاحبتي، فقد ارتحلت مع أهلها إلى إسرائيل وكانت قصائدي عندها!، خاصة (ملحمة ليلى) فسلمتها هي إلى احد الأصدقاء، وطلبت منه أن يخبرني بأننا سوف لن نلتقي مستقبلا)!
ويالأقدار الشاعر في الحب ؟!
وياللوصف الرائع في هذا المقطع :
مهما احتَشَمت فهي امرأة
تبحث عمن يطفئها في ضجة عري شهوانية
استلهم عينيها ، اتأمل خلفها
هذا الجسد الطيني ، وكيف تمرد عن روح حية ؟
هذا العطش الهمجي على فمها،
حمقى هي ان لم تروي انوثتها
او بلهاء اذا لم تكسر طوق مجاعتها الروحية
حمقى هي ان لم تسمع صوت الدم فيها،
وفحيح النار الجنسية
مهما احتَشَمت فهي امرأة
تبحث عمن يطفئها في ضجة عري شهوانية
استلهم عينيها ، اتأمل خلفها
هذا الجسد الطيني ، وكيف تمرد عن روح حية ؟
هذا العطش الهمجي على فمها،
حمقى هي ان لم تروي انوثتها
او بلهاء اذا لم تكسر طوق مجاعتها الروحية
حمقى هي ان لم تسمع صوت الدم فيها،
وفحيح النار الجنسية !(في بداية مشواري الشعري، كنت لا أستطيع قراءة قصائدي أمام الجمهور، مما دفعني إلى أن أعطي قصائدي إلى إحدى الفتيات؟! لتقرأها نيابة عني!، كان ذلك في فترة صداقتي لبعض الشيوعيين، وكانت هذه الفتاة تذهب الى بغداد وتقرأ قصائدي الوطنية، خاصة في أيام الوثبة، وقد تكون الفتاة شيوعية، أو قومية، أو مستقلة، لكنها كانت تقرأ قصائدي، حتى أن السياب، عندما كتب مقالاته عن الشيوعيين، قال مخاطبا إياهم “: ان الشاعر الذي كنتم تحاولون كسبه اليكم، كانت قصائده تقرأها فتاة” ، وكان السياب يحب تلك الفتاة ويسلمها رسائل منه لتوصلها لي – كما قيل لي وقتها – لكنني لم أستلم أية رسالة، وعندما التقيت به أردت أن أسأله عن ذلك، إلا أن الشاعر عبد القادر الناصري دخل المقهى التي كنا نجلس فيها وهو ثمل و(خربط!) الحديث فنسيت أن أسأل السياب عن ذلك!!ويبدو أن موافقة الشاعر على أن تقرأ قصائده تلك الفتاة، ليس لجهة انتمائها السياسي الذي لايهمه كثيرا لكن لجمالها، ويذكر الشاعر الحساس الخجول، أن ريسان مطر كان أول من شجعه على قراءة شعره أمام الجمهور، اشرب بيك عرق واقرأ قصائدك، ويذكر أنه
[في احدى الإحتفالات، وأمام (المتصرف) شربت (بيكين) مما جعلني لا أرى الجالسين أمامي، لكنني استطعت قراءة قصيدتي بصورة جيدة]، في سنة 1985، رشحت من قبل نقابة الفنانين بالناصرية لتقديم الشاعر إلى جمهور الشطرة، كان مضطربا طوال الطريق ولاأعرف سببا لذلك، مع أنه حمل معه زجاجة عرق وكان في أول الثمالة، كان يروح ويجىء في الممر، وقبل حوالي ربع ساعة من حضور الجمهور ازداد قلقه واضطرابه، رغم أنه كان يذهب إلى الحمام (قبل تقديمه) ليشرب بيكا صغيرا ليعود إلى باب القاعة محمرّ العينين!كان الشاعر يجلس في وقت العصر على كرسي بباب بيته القريب من كراج الشطرة، أو يسير -غالبا مايكون وحيدا- في شارع الحبوبي أو شارع النهر، مفكرا بقصيدة جديدة (إن أكثر الأبيات تأتي إلي وأنا أسير في الشارع، حيث تراني مثل “المسودن” أقف في الطريق وأخرج الورقة وأدون الابيات!)، أحيانا مع صديق قديم أو من الوسط الثقافي والأدبي، كان أنيقا بكبرياء شاعر من الناصرية يتأمل في الوجوه العابرة، وجوه أبناء المدينة (الذبلانة) تحت حكم الطاغية ونظامه الوحشي، وليس مثله شاعر يتحرق قلبه على مدينته كما في قصيدته التي أحبها كثيرا (لاكما تغرق المدن)، وماشهدته في فترة حروب صدام من تغييرات ديموغرافية، وهجوم الجيوش العمالية المصرية تعويضا عن اليد العاملة العراقية، التي تحولت إلى فيالق جيش وكان نصيبها الموت الزؤام في الحرب المجنونة!، وجوه غابت في الحروب والمنافي والمعتقلات والمخيمات والأسر، وربما صادفه وجه حسناء يضمن ملامحها إحدى قصائده القادمة!في عقد الثمانينيات أي خلال الحرب العراقية الإيرانية، كنت أحرص خلال الإجازة الشهرية على زيارته في المكتبة العامة، ويحرص هو على قراءة آخر قصائده الغزلية، التي تترواح بين العذرية والحسية وأحيانا المحرمة، ويبقى طيف ليلى اليهودية طاغيا في كل أنثى وذكراها التي تشتعل في صدره، يستل قصيدته الأخيرة بشخابيطها وتصحيحاتها من مغلفه الشفاف، أقرأ في تهدج صوته وجحوظ عينيه ماوراء المسطور في الورقة، يقرأ ويقرأ وأنا لاأمل سماع الشاعر المنسجم مع ذاته وصنيعه الشعري، غنائيته المحببة وإشارات يديه الحماسية، وكانت المدينة تمر بشوراعها وناسها وأحداثها ووجوه الصحب عزران البدري وصبري حامد (أمين المكتبة السابق) وعبد القادر الناصري وعباس ملا علي وغيرهم، النهر وأمواجه عكد الهوى وناسه من مضى ومن بقي، يقرأ حتى تحمر وجنتاه ويصعد الدم إلى صدغيه كأنما يقرأ تميمة!، يسرح مع الكلمات يتغور معانيها يثب إلى الأعلى فرحا كطفل، نصبت له أرجوحة بين النجوم، متأملا ماحوله بغبطة وحبور، أشعار حزينة أخرى تندب الماضي ومكانا غامت ملامحه ولم يعد يألفه، وكنت أطلب منه إعادة شطر ما إما لحزنه الشفيف لاسيما المكتوب على بحر الرمل، وكانت قصائدي الأولى تشهد للبحر الحزين، أو محبوكا بصناعة جيدة، أو لتنبيه الشاعر إلى أني أصغي إليه بعناية.في شارع الحبوبي، التقيته صدفة حائرا متمهلا في الأسبوع الثاني على اندلاع انتفاضة آذار الخالدة 1991، مضينا معا وسألني (شنو القصة ماتكلي؟!) قلت له هذه انتفاضة شعبية ضد طغيان صدام ونظامه، قال أعرف قلت العراقيون يسمونها انتفاضة آذار لأن كل فئات الشعب اشتركت بها، أما المتشددون فيسمونها شعبانية ويريدوها ثورة إسلامية فابتسم الشاعر!، كان الشارع حينذاك مملوءا بالناس والسيارات والعربات والأزبال، بعد أسابيع من قصف طائرات دول التحالف، واشتداد حدة الحصار الاقتصادي، ومقتل المحافظ في اليوم الأول من الإنتفاضة، وتعطل الحياة والفوضى التي ضربت أطنابها في كل زوايا المدينة!السلام والسكينة الأبدية لروح الشاعر رشيد مجيد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بين الأقواس : رشيد مجيد انسانا وشاعرا .. داود سلمان الشويلي