مقهى عزران

(إذا قلب لك الزمان ظهر المجن وخانك الأصحاب إذن هب إلى نفسك، لأنك سترى فيها خير معين، واخلق منها شخصا “مثاليا” حسب ما تريد أنت وكلمه واقضى معه ما طاب لك من وقت)
عزران البدري

خلال مرحلة جمع المصادر للكتابة عن شاعر الناصرية الصديق المرحوم رشيد مجيد، لاحظنا صداقة وتلازما من نوع (مديني/ ثقافي) بينه وبين المرحوم عزران البدري، صاحب أول مقهى فكرية في مدينة الناصرية (أسسها في سنة 1938)، وكان الشاعر من روادها الأوائل ومعلما لعزران، إضافة إلى المرحوم وهاب الحاج ذياب وربما غيرهما، وأتذكر جيدا أن الشاعر قرأ لي ذات يوم في منتصف الثمانينيات من القرن العشرين، في مكتبه بالمكتبة المركزية العامة بالناصرية حيث كان يعمل مديرا لها، وكنت حينذاك أتمتع بإجازة شهرية من جبهة الحرب العراقية الإيرانية (شرق البصرة)، قصيدته المعروفة (عزران والمقهى).

قبل أن تتبلور الجماعة الأدبية في مدينة الناصرية، المتكئة على متن حكائي وسرديات أسطورية وثقافة عشائرية وأمثال شعبية وغيرها كان (مثقفو المدينة يزاولون الأدب وبصورة خاصة الشعر. ولم تتجاوز الممارسة حدود الأخوانيات والمداعبة البريئة والنكتة البارعة. وكان على رأس هذه الجماعة الأستاذان طالب فليح وخيون راشد، وهما شاعران من الرعيل الأول في المدينة. ساهما في تأسيس فكرة الجماعة الأدبية. إذ كانت تُعقد ندوات مدرسية كل يوم ثلاثاء في ثانوية الناصرية. يشارك فيها طلاب كانت لهم مقدرة خطابية تميزهم عن زملائهم. وقد برز من بينهم أدباء رحل بعضهم عن عالمنا وانقطع آخرون عن الأدب لأسباب كثيرة. منهم عبد المحسن القصاب ومحمد حسن العضاض ونعيم عبيد الكيالي وغيرهم) (1)

ويبرز هنا إسم المحامي، ومدير بلدية الناصرية فيما بعد ومؤرخها المرحوم شاكر الغرباوي، الذي ظل يتواصل مع الجماعة في الناصرية حتى بعد انتقاله إلى بغداد لدراسة الحقوق، وتقوت الجماعة بنشر نتاجاتها في صحيفة البطحاء التي أصدرها الغرباوي (سنة 1946 ، وصدر منها 16 عددا وتوقفت!)، قبل أن تنتقل إلى مقهى عزران.

في الواقع إن شخصية عزران البدري مثالية لافتة في فضاء الكتابة بالناصرية، فهو رجل أمي وكادح ينحدر من أسرة فلاحية من إحدى قرى الناصرية (القطيعة/ قرية أم السباع الملاصقة لضريح عمر بن علي بن الحسين ع)، أصر على الانتقال من ثقافة السماع من رواد المقهى إلى تعلم القراءة والكتابة، وتحقق له ماأراد، لكنه لم يتوقف عند ذلك فأخذ يكتب وينشر المقالات والقصص في الصحف العراقية والعربية، يقول الشاعر رشيد عن صديقه عزران [كان يعمل “صبي” في مقهى (عبد ضيدان) ، ثم استقل مع أخيه (إسميّر) في مقهى خاص بهما، فكان (أحسن جايجي)، إذ استطاع ان يستقطب الناس الى مقهاه! (2)

ويردف [كانت رجلاه مفطورتين (يقصد راحتي قدميه) ، وكان يموع (يذوب) البلاستك، ويملأ به (الفطور)] (3) وكان هذا الأمي الذي يتوفى في سنة 1973 يكافح من أجل تعلم القراءة والكتابة، مصغيا للرواد في المقهى التي أصبحت منتدى سياسيا وأدبيا، يهضم مايسمعه ويتمثله في الحوار والكتابة، أكثر من ذلك أنه كان يشترك في الحديث ويصحح بعض المعلومات الأدبية رغم أميته!

وما لبث أن اطلع على الفلسفة الأغريقية، ولم يعجب بفلسفة سقراط عن الحق والتهكم والتوليد حسب، بل كتب مخطوطة (صولون مشروع أثينا!) قبل أن يصبح كاتب قصة وناقدا!، ومايلفت في شخصيته أن سرعة تعلمه الكتابة، وشغفه بقراءة الكتب، جعلته لايشتريها ويسخر من المدخنين الذين لايوفرون نقودهم وصحتهم حسب، بل يجمعها في شباك مقهاه حتى أصبحت على هيئة مكتبة، جعل لها أبوابا زجاجية!

مرة قال لرشيد (لدي مقال أريد أن أنشره، وطلب منا أن نكتبه وهو يملي علينا المقال، وكان له ما أراد، وبدأ النشر، عندها قرر تعلم القراءة والكتابة، كنا معلمين له، فتعلمها بسرعة، فأصبح (ينافس) جبران خليل جبران وأرسطو!) (4)

رجل كادح وأمي من الناصرية يفتتح مقهى، يخصص فيها مكتبة ويبدأ بكتابة المقالات والقصص والخطرات الفلسفية منافسا جبران وأرسطو، الأول هو أحد أبرز الآباء الروحيين في الكتابة العربية، أما الثاني فأحد أهم فلاسفة الأغريق مابعد الفلاسفة الطبيعيين.. ماذا يعني ذلك؟!، إنه يعني ببساطة أن روح الإنسان في الناصرية مجبولة على التعلم وتواقة إلى المعرفة، ففي أكد التي تنتمي إليها المدينة أرضا وحضارة، سطر الإنسان على الطين المفخور أولى الملاحم في الأدب القديم، وكتبت الأناشيد الممجدة للآلهة وطرحت على أيدي كهان سومر والعشاق والمتمردين الأسئلة الوجودية الكبرى في الحياة والموت والخلود، وربما هناك أسباب بيولوجية وهي انتقال كروموسومات الإبداع السومرية عبر الزمن والأجيال المتعاقبة! إذ غالبا مايشار إلى الناصرية باعتبارها مدينة ولود للمفكرين والفنانين والشعراء والمبدعين والمثقفين!

إن المقهى باعتبارها فضاء/ مكان اجتماعي وعام يتداول فيها الرواد آراء مختلفة في السياسة والحياة العامة والرياضة وطرح المشاكل الاجتماعية لإيجاد حلول لها وغيرها، كانت محفزا لظهور موهبة عزران في الكتابة، مع أن الكثير من (الجايجية) لايعبأون بما يتداوله الزبائن سواء في حقول السياسة أم المعرفة وغيرها، لكن الأمر اختلف في حالة عزران الذي لم يكن بعيدا عن حزن الجنوب ومعاناته، باعتباره مادة أدبية تعينه في الكتابة المستندة إلى تجارب واقعية.

فالمنطقة التي افتتح فيها مقهاه كانت [مسكونة بفن الغناء، حضيري أبو عزيز كان يغني في سوق الخياطين ليلا” عندما كان يعمل خياطا” مع خاله حسين حتى نهاية الثلاثينيات، وخضير حسن ناصرية الذي كان يجوب المنطقة يبيع اللبن الى ان ينتهي في منطقة (باب الشطرة- ناصرية) حيث بدأ احتفالية الغناء الحر في هذه المنطقة في أواخر العشرينات، وكان داخل حسن يتخذ من دكان صديقه النداف محسن السديري مكانا” لجلوسه، هذه الحارة المتداخلة الثقافة (وعي الفطريين وثقافة المثقفين) (5)

إن انحدار عزران من احدى قرى الناصرية الفلاحية وافتتاحه المقهى في قلب المدينة التجاري والمهني، حيث محال الندافين والخياطين والنجارين والحدادين والكسبة، وغير بعيد عنها محال الصاغة والوزانين والحمالين، فضلا عن اعتناقه الفلسفة المثالية وتمثلها، هذا وغيره جعله قريبا ويتحسس آلام الفقراء والمسحوقين والمهمشين، وكانوا – فضلا عن مثقفي الناصرية وكتابها – من رواد المقهى، وكان هو يحمل إليهم الشاي والماء ويقصدهم إلى عملهم في خان الحبوب الواقع خلف المقهى، وأحيانا لا يستوفي منهم حتى ثمن الشاي!، بما يدلل على رهافة الروح والطبيعة الإنسانية لعزران.

قبل نشوء المقاهي مطلع القرن العشرين كان الناس في الناصرية خاصة وذي قار عامة، يتجمعون في ديوانيات البيوت والمضائف واللواوين، يتبادلون الأحاديث السياسية والاجتماعية وعن مواسم الأمطار وشؤون الزراعة والحصاد، ومازلت أتذكر بعض تلك اللواوين في طفولتي البعيدة بالناصرية حتى مطلع الستينيات، كان أحدها يقع فوق سطح بيت الصديق الكاتب أحمد الباقري في شارع الحبوبي، حيث كان جمع طيب من أبناء المنطقة يجلسون فيه ويتبادلون الاحاديث ويحتسون الشاي، قبل أن ينفض سامرهم في منتصف الليل.

إن أقدم مقهى تأسست في الناصرية كان في العشرينيات من القرن الماضي هو مقهى التجار، ملتقى تجار الناصرية مع تجار الأقضية والنواحي لمزاولة البيع والشراء وتوقيع الاتفاقات والعقود، وكان الصديق أحمد الباقري وأنا من روادها وخصوصا خلال فترة الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، كنا نجلس في زاوية بعيدة في المقهى نتحدث عما آلت إليه أوضاع العراق ونلعن النظام الفاشي بصوت خفيض بطبيعة الحال!، وكل فئة في الناصرية لها مقهى خاص، مقهى الصعاليك ومقهى المفاطير في شهر رمضان ومقهى الحدادين والبنائين والكسبة والأدباء والفنانين والمعقدين والمطيرجية ومقهى سوق الغنم، وثمة مقاهي باب الشطرة وغيرها، وكانت المقاهي في الثلاثينيات والأربعينيات في العراق مراكز تجمع المواطنين لتبادل الحديث حول أزمات البلد، وربما التجمع فيها والانطلاق منها في تظاهرات وطنية ضد الاحتلال الانكليزي والحكومات الرجعية وسياساتها وأحلافها المشبوهة.

أرجح أن مقهى عزران وكان روادها نخبة طيبة من الكتاب والمثقفين كعبد القادر رشيد الناصري وقيس لفته مراد وعبد الخالق العطار وعبد الرحمن الكاتب وفاضل السيد مهدي وخالد الشطري ورشيد مجيد وعباس الملا علي وطالب الحاج فليح وحميد السنيد وحمدي الحمدي وصبري حامد وعبد الواحد الهلالي ومجيد حمد النجار وسالم حسين وعناية الحسيناوي وشاكر الغرباوي وزهير الدجيلي وشهاب أحمد التميمي وغيرهم، تداولوا أحداثا محلية وعربية وعالمية بينها حالة الكساد العالمي سنة 1930 التي أدت إلى نشوء الاحزاب الشيوعية في العالم العربي وخاصة العراق، ومرحلة مابعد تأسيس الدولة العراقية 1921 وهيمنة الاستعمار الانكليزي على مقدرات البلاد، ناهيك بالأحلاف المشبوهة التي عقدتها الحكومات التي تولت حكم العراق بعد الاحتلال!

وإذا كان (الجايجي) يكتفي بإعداد الشاي ووضعه أمام الزبون دون الخوض في أمور السياسة أو الثقافة والأدب كما نوهنا، فإني أخمن أن عزران كان يتحدث بكل ذلك ويتحاور مع الرواد بكل شجاعة وحرية، وشكل علامة فارقة بعناده وتحديه في سرعة التعلم والتثقيف، وأثبت أن الإنسان في تلك المدينة المهملة والمتمردة قد لا يحتاج إلى الشهادة الجامعية أو غيرها، لكن يمكنه اعتماد مبدأ التثقيف الذاتي لصقل موهبته بالمطالعة والحوار وتبادل الآراء والأفكار، وكان رواد المقهى من محاوريه ومشجعيه!
وإذا كان التعليم يطور من حياة الافراد ويرقي المجتمعات، ويجعل الإنسان ذا طاقة ديناميكية ترفع من شأنه الإنساني وتسوي انحرافه وتعمق شخصيته، فإن أمية عزران دليل على ضعف التنمية البشرية في العراق في ذلك الوقت، وكانت الناصرية مهملة بالإستناد إلى تراكم العداء المستحكم بين المركز والاطراف، فلم تصب بنيتها التحتية على سبيل المثال تحديثا منذ الستينيات من القرن الماضي!

مقهى عزران فكرية بامتياز لذلك بثت الحكومات الرجعية، منذ الخمسينيات حتى الستينيات تقريبا عيونها فيها، مع صعود الفكر التقدمي واليسار الرومانسي، قبل أن ينتقل مثقفو الناصرية منها إلى مقهى ابو أحمد في الستينيات، ثم جمعية الآداب والفنون التي تأسست سنة 1970، وهكذا ضمت المقهى والجمعية الجيل الثاني من كتاب ومثقفي المدينة، ولم تسلم الإثنتان من عيون المخبرين وبطش السلطات الرجعية والبعثية!
مقطع من قصيدة الشاعر رشيد مجيد عزران والمقهى :
(عزران) والذكرى ومجانية المقهى
ونحن وغيرنا والسامرون (الناصري) وكأسه
وأبو بثينة والرفاق النازحون
إلى القرارة من رعيل الأمس
والكتب الكثار
وبعض أوراق
محرمة مهرأة الحروف
ووقع أحذية النواطير السهارى
المتعبين تظللهم بين الممرات الطويلة
غمامة الأعباء في صمت الدروب
ونحن والمتفائلون وكلما كتبته أقلام محاصرة
وتكتبه هناك …
ترصدتها أعين الرقباء في ليل المدينة
خلف (يشماغ) التنكر أو بمعطفها البرونزوي الطويل
وترث أصوات الملايين المعذبة
التي انتفضت لتقتحم السدود ويفرط
الموت المسحر باغتيالات الرجال
وقد تهورت البنادق بين أيدي
العملاء ثم .. ويهزم العملاء
ثم تدور دورتها الليالي ويسرق النصر
المحاصر في العيون وفي الجراح
وفي المساجد والمقاهي، والبيوت
فوق أرصفة الجسور.ليستعيد
الساقطون زمانهم لكنهم .. والحمد لله
انتهوا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مقال في موقع شهريار الالكتروني .. جاسم عاصي
(2) و(3) و(4) رشيد مجيد انسانا وشاعرا .. داود سلمان الشويلي
(5) مقال في موقع الحوار المتمدن .. حسين الهلال