Hashim

 المعلم الحَنون هاشم البنّاء
في صباح شتائي من العام 1963 اصطحبني شاعر الأغنية العراقية، العم المرحوم زامل سعيد الفتاح وسَلَّمَني ليد المعلم الأول الأستاذ هاشم خضير البناء، فسَجَّلَني تلميذاً في مدرسة قرطبة الإبتدائية للبنين التي أُسستْ في العام 1961. وفيما كان وجه الشاعر بشوشاً مُوَرَّداً وهو يفتح لي في الطريق إلى المدرسة آفاق الحرف الأول، كان وجه المعلم الأول بريئاً وحنوناً يطفح بمحبة أطفال مدينته ويحرص على تعليمهم، ويَسْعدُ أحياناً أن يُحَمِّلَهم أحرَّ التحيات لمن يعرف من آبائهم!
طقس بارد ومفارز حرس قومي وبدلات كاكيّة اللون وبنادق (نص أخمص)، دوريات راجلة ومُسَيَّرةٌ في الشوارع وأجواء دراماتيكية وسياسية مشحونة. تلك هي صور الناصرية الأولى التي انطبعتْ في ذاكرة الطفل الذي كنته قبل أن تتلاشى منها لاحقاً كلُّ الألوان، إلّا ألوان الفقر والحاجة في أغنى البلدان! وكان المعلم الأول الذي نقش على جدار قلبي أولى معاني الحب والتفاني يسمو في نفسي. يخالجني حتى اليوم شعور بالحيرة حول الطريقة التي يمكن بها للإنسان أن يردَّ الجميل لمعلم أول الحرف وأبجدية الحياة!
كان المعلم الأول راعياً لأول مسرحية أشاهدها في باحة المدرسة عن فلسطين، التي ابتلى العراقيون من مختلف الأجيال بحروبها ومصيرها عبر موشور الفكر القومي العفلقي البسماركي. في خريف العام 1966 نُصِبَ مسرحٌ بين المختبر والحانوت في ساحة المدرسة، وجلس المعلمون في الصف الأول يتقدمهم المعلم الأول، ناظراً بإعجاب إلى تلاميذه الصغار وهم يؤدون أدوارهم بإتقان فَتفتَرُّ شفتاه عن ابتسامة رضى. ولم يكن مثل المهندس الصغير في قصيدة الراحل باقر سماكه (أصِفُّها فتنتظم ثم جميعاً تنهدم!) وهي من أولى الدروس في الصف الأول الإبتدائي، بل كان أحسن من يُنَظِّمُ صفوفنا في نهاية الدوام يومياً. وتناول إبر اللقاح ضد الأمراض المعدية في مواسمها. فَنشمّر عن الأذرع تحت الشمس في طوابير منتظمة، تنتهي مقدمتها بين أيدي المضمدين الطيبين وبإشراف المعلمين كلاً على صفه. وفي الفعاليات الكشفية، وما للمعلم الأول من مآثر في تاريخ الناصرية الرياضي، حتى أنه تُوِّجَ بمنصب رئيس اللجنة الأولمبية العراقية فرع ذي قار، كان يتقدمنا بِبزَّةِ الكشافة وربطة العنق المظفورة على هيئة كرة من النايلون الملون، إلى ملعب الإدارة المحلية الواقع في ظاهر المدينة، حيث تتجمع الفرق المدرسية وينعقد مهرجان الربيع السنوي، الذي تتصاعد فيه حمى التنافس الرياضي في ألعاب القوى تحت خفقات أعلام المدارس الملونة وصداح النشيد الوطني. 
وإذا كانت العائلة العراقية في الغالب لا تخلو من المتحزبين فهنالك الشيوعي والبعثي والقومي والإسلامي، والمستقل والمتمرد والملحد، فإن المعلمين في مدرسة قرطبة وَحَّدَهُمْ الخطاب التربوي وإنْ قَسَّمتهُم الأحزاب السياسية، وهل يوجد شيء قَسَّمَ الشعب العراقي مثل الآيديولوجيات من دينية وقومية وأممية؟ كان معلم الرسم في الصف الأول هو الأستاذ معاذ عبد الرحيم، القومي الذي سيتزوج خالتي الأصغر سناً وينتقل إلى بغداد بعد عام 1963 ليتبوأ مناصب رفيعة في الحكومة. وهنالك المعلم الطيب الساخر الراحل عبد الحسين حْوالَه. ومعلما الرياضة موفق ونوري. وقاسم خضير عباس معلم الجغرافيا وصالح عبد الأئمة معلم اللغة العربية وإبراهيم وعبد علي وجمال الكاتب وغيرهم من منتمين وغير منتمين.
من حسن طالعنا أننا تَربَّينا تحتَ رعاية معلمينا الأفاضل، ولم تكن مدرسة قرطبة نموذجية مثل مدرستيّ الهدى والمركزية حيث يتعلم أبناء المتصرف والذوات والموظفين، لكن بفضل معلميها ومعلمها الأول الذي سيصبح مديرها فيما بعد، بقيتْ قرطبة بين المدارس الأولى سواء في نسب النجاح السنوية في البكالوريا، أم في الفعاليات الرياضية والكشفية والمعارض العلمية والفنية وغيرها.
يقف المعلم الأول في الإصطفاف الصباحي مثل إله سومري حادَّ النظر لَمّاحاً، متطلعاً من وراء نظارته السميكة الإطار إلى معلم الرياضة، الواقف في وسط الساحة مجرياً التمارين الرياضية (السويدية) فنقوم نحن مئات التلاميذ بتقليده. وبعدما يُنهي فقرته ينسلُّ من بين الصفوف المتراصّة صديقي وزميلي المرحوم فيصل يوسف ذو العينين الزرقاوين، الذي سيُقتل لاحقاً في الحرب العراقية الإيرانية اللعينة، والذي سيمثل معي في المدرسة المتوسطة بعد حوالي خمس سنوات مسرحية (ثورة الموتى) للكاتب الأمريكي أروين شو من إخراج الأستاذ الراحل كاظم العبودي. وكانتْ صرخة احتجاج مُدوِّيَة ضد الحرب الأمريكية الوحشية ضد فيتنام.
يقف فيصل أمام سارية العلم في وسط المدرسة فارداً ثلاثة اصابع من كفه اليمنى محيياً إيّاه تحية عسكرية، وما يلبث أن يتراجع إلى الوراء ثلاث خطوات محسوبة بدقة ليتقدم مرة أخرى إجلالاً له. وبينما يُرخي حباله من السارية ويرفعه ببطء وترتفع معه إلى الأعلى نظرات المعلم الأول وبقية المعلمين، يقرأ قصيدة معروف الرصافي الشهيرة ومطلعها
عِشْ هكذا في عُلُوِّ أَيُّها العَلَمُ          فإنَّنا بكَ بعدَ الله نَعْتَصِمُ
إنَّ العيونَ قريرات بما شَهدَتْ        والقَلبَ يفرحُ والآمالُ تبتسمُ
إنِ احتُقِرْتَ فإنَّ الشعبَ مُحتقرٌ       أو اِحتُرِمتَ فإنَّ الشعبَ مُحترمُ
الشعب أَنتَ وَأَنتَ الشعب منتصباً   وأَنتَ أَنتَ جلال الشعب والعِظَمُ
فإنْ تَعِشْ سالماً عاشَتْ سعادُتهُ      وإنْ تَمُتْ ماتَتِ الآمالُ والهِمَمُ
هَذا الهتافُ الَّذي يعلو فتسمعهُ       جميعهُ لك فاسلم أَيُّها العلمُ
في موسم معونة الشتاء كانت أحذية باتا والبدلات (القوط) المُبطَّنة بالجنفاص تُفتح صناديقُها على بلاط الباحة الداخلية للمدرسة، حيث يشرف المعلم الأول على توزيع المعونة بالتساوي على الفقراء من التلاميذ وأنا أحدهم. لأن المرحوم أبي وبينه وبين المعلم الأول صداقة أبناء المدينة الواحدة (ولد الولاية)، كان عاملاً بسيطاً بالكاد يَسِدُّ رمق عائلته. ولم يكن هيِّناً على المعلم الأول أن يرى حاجة (إبن الولاية) إلى صدقات الحكومة!
في الصف الثالث الإبتدائي وقعتْ لي حادثة لا يمكن مقارنتها، إلا بوقوعي على جبهتي ووجهي في الثلوج النرويجية الصلدة بتاريخ 14/12/2008 ، غُشيَ عليَّ في الحال وحملني مواطن نرويجي عابر بسيارته إلى مستشفى الطوارىء في أوسلو. وكنتُ في الصف الثالث (السنة الدراسية 1965-1966) عندما سقطتُ على رأسي (منطقة الصدغ الأيمن) مباشرة على القاعدة الحديدية (البوري) الذي يُثبَّتُ فيها عمود لعبة الشبكة الطائرة في ساحة المدرسة. دخلتُ في غيبوبة دامتْ ثلاثة أيام في مستشفى الناصرية الجمهوري وحزنتْ عليَّ عائلتي حزناً شديداً وصل إلى حد الجزع! وكان بكاء أمي لا ينقطع حتى وصل الجميع إلى حافة اليأس. وحار أبي بين قوسي شِحَّة الدواء وضيق ذات اليد! بعدما اشترط عليه الطبيب خالد العاني أن يشتري الحِقنَ الطبيةَ باهضة الثمن وإلّا فإن ولده البكر سيفارق الحياة! لا أعرف من أين استدان المرحوم المبلغ المطلوب وجاء بالحِقَنِ على وجه السرعة. وبعد حوالي ساعة فتحتُ عينيَّ وكان الوقت عصراً، وأول ما وقعتْ عليه عيناي كان المعلم الأول ثم الطبيب وأمي وأبي وعمي زامل وعدد من أقربائي. كان وجه المعلم حنوناً قريباً إلى نفسي وقد تفتحتْ أساريرُه ولم يكن فرحه بعودتي إلى الوعي بأقل من فرح الأبوين والطبيب وهو من مدينة عانة، لكن احتضنته الناصرية كأنه ابنها وبقيتْ صورته الكبيرة بإطارها الجميل، تزين واجهة (ستوديو) فليح للتصوير في وسط المدينة سنوات طويلة يَمُرُّ عليها الناس بمحبة واحترام، وأقف أمامها كلما مررتُ بـ (الإستوديو) في الطريق إلى السوق الكبير شاكراً الطبيب الذي أنقذ حياتي!
بعد سنوات الدراسة الإبتدائية وكلما صادفتُ المعلم الأول في شارع الحبوبي أو غيره من شوارع الناصرية، أبتعد إلى الرصيف المقابل كما يفعل الكثيرون من أبناء جيلنا عرفاناً. متحاشياً النظر إلى عينيه الطيبتين لكيلا يراني متلبساً بما لم يُعلِّمني إياه من أول الحروف، التي طالما شعتْ في مخيلتي ووجداني، فأرى في البعيد أطلال سومر حيث ترتفع ألواح طينية تُوقِّرُ الحياة، والإله تموز الإبن الحق لأبسو إله المياه العذبة، معلناً ستة أشهر جديدة من الخصب والنماء وتجديد الحياة. كان المعلم الأول في حبه للعلم والتعليم سليلاً للمعلمين السومريين الأوائل الذين علموا بني البشر الحروف الأولى نطقاً وتدويناً.
في منتصف الثمانينيّات أي خلال الحرب العراقية الإيرانية المشؤومة، غُيِّبَ المعلم الأول في سجن أبو غريب الرهيب بتهمة انتمائه إلى حزب الدعوة، وكان ضمن مجموعة من أبناء ما تبقى من الطبقة الوسطى والفقراء في المدينة المتمردة دائماً على السلطات الجائرة. ولا أعلم أي نوع من العذاب تحمله أستاذي في السجن؟! وأي جلاد لا يعلم قدره وفضله على أجيال علَّمَها في مدرسة قرطبة، بينهم الطبيب والمدرس والضابط والعالِم والفنان والشاعر والتاجر. وأتمنى في يوم من الأيام أن تخرج عائلته الكريمة إلى النور أوراقاً ربما كتبها عن رحلة عذابه في السجن الرهيب!
يقع بيت السيد راضي (أحد البيوت الدينية المعروفة) في وسط مدينة الناصرية، ملاصقاً لمدرسة قرطبة وكلاهما على مبعدة 100 متر من تمثال الشاعر والمجاهد محمد سعيد الحبوبي، وتقع المدرسة في الطريق إلى سوق الخضار (الصفاة) وكان زميلي وصديقي المرحوم محمد حسين السيد راضي (يناوشه) أحد أشقائه من السياج الواطىء (لَفَّة كباب) بعد الدرس الأول أو الثاني يومياً تقريباً! وكم كانت تدوخني رائحة الكباب الشهية! وربما مرَّتْ أم عائدة من السوق وناولتْ ابنها من وراء السياج تفّاحة، وأب ينقد ابنه عشرة فلوس وهكذا. وتتجمع عربات الباعة في باب المدرسة فنشتري منها بعد نهاية الدوام، الباقلاء المسلوقة و(المَحَلَّبِي) الساخن المصنوع من النشا والحليب والسُكّر وكذلك المشروبات الغازية. أو نتشاجر مع بعضنا البعض حيث لا يسمح لنا المراقبون بالشجار في داخل المدرسة فنؤجل ذلك إلى نهاية الدوام وخروجنا من البوابة الرئيسة. وفي انتفاضة آذار الخالدة في عام 1991 أصبح بيت السيد راضي مقراً لقيادة الانتفاضة ومدرسة قرطبة المجاورة سجناً لها كما ذكرتُ، ألقي فيه عدد من البعثيين، وعسكريين من القاعدة الجوية ضباطاً ومراتب، ممن اشتبه بهم وأطلق سراحهم فيما بعد.
أعربتُ خلال إحدى المقابلات الصحفية عن رغبة عارمة لزيارة مدرسة قرطبة والدخول في صفوفها وتلمس مقاعد خشب رحلاتها وأبوابها وسبّوراتها. وأن أطبع قُبَلاً على وجوه ما تبقى من المعلمين والفراشين جميعاً، وأسألهم عن أحوالهم وأيامهم بعد سنوات طويلة في المغترب النائي، وأعود طفلاً في الصف الأول منشداً مع الزملاء
 إحنه صف الأول...أحسن الصفوف... والميصدك بينه.. خل يجي ويشوف!
فيما المعلم الأول الأستاذ والمربي الفاضل هاشم البنّاء الذي رحل عن عالمنا بتاريخ (23/2/2009)، يمرُّ علينا بوجهه الباسم الحنون، متصفحاً وجوهَنا البريئة واحداً واحداً، كأنما يستعيد فيها أيامه الأولى معلماً في مدرسة قرطبة الإبتدائية وطفولته البعيدة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* دار دور هما أول كلمتين يتعلمهما التلميذ في قراءة الصف الأول الإبتدائي (القراءة الخلدونية) في المدارس العراقية. وضع المنهج ساطع الحصري (1879- 1968) وسمّيَتِ القراءة خلدونية على اسم ابنه خلدون. وظل العراقيون من أجيال مختلفة يلهجون بذكر الكلمتين دار دور لما لهما من دلالة عميقة الأثر على التعليم الممتاز وذكريات الطفولة والمدرسة الإبتدائية.
(1)  إن التعليم الحديث في العراق قد استند في عهد الاحتلال البريطاني على النظام التعليمي العثماني ونظام التعليم في مصر، بما للفكر الفرنسي من تأثير في كلا النظامين، يضاف إلى ذلك المنهج الموضوع في الكتب التعليمية والمدرسية التي استوردت من مصر.
د. فريال صالح عمر، مقال في صحيفة المدى عدد 2/3/2014