ahmad

أحمد الباقري نقاء الإنسان وضميره الحي
تتماهى شخصية الكاتب أحمد الباقري مع مدينته الناصرية حتى يمكن القول، إن من زارها - ممن يشتغلون في حقول الفكر والأدب والفن - ولم يلتقِ به كأنه لم يزرها! ومثل القاص محمد خضير في البصرة والكثيرين من الشعراء والكتّاب في أرجاء العالم المختلفة، ظل الباقري ملتصقاً بمدينته التي يحبها كثيراً ولم يبارحها إلا لُماما. وجعل يطل على العالم من خلال الصحف والمجلات التي يحرص على مطالعتها في المقهى في كل صباح. بين رنين استكانات الشاي وكلام الأصدقاء في السياسة التي لا نهاية لكوارثها في العراق. إطلالة على المشهد اليومي للناصرية التي تجترُّ ماضيها اجتراراً بعد عام 2003، وفيها حياة الناس اليومية تعيسة بكل ما للكلمة من معنى. حيث تراجع الخدمات يُقصِّرُ عمر الإنسان، وانتشار البطالة يلقي بأجيال في مجهول المصير! وأول شيء لاحظته بعد عودتي من المنفى (22 عاما) أن سخرية الباقري التي عرفتها عنه في ثمانينيات القرن الماضي لم تتوقف بل تضاعفت، منذ أن كنا نرتاد مقهى العروبة ونسخر معا همساً من حاكم جائر. لتستمر السخرية في أجواء (الحرية) بعد ثلاثة عقود في مقهى آخر! من حكام فاسدين لم يضعوا البلد على طريق التقدم والإزدهار بل على كف عفريت! وكم تمنى الباقري والمخلصون مثله لو أن العراق شهد استقراراً سياسياً وأمنياً واقتصادياً، بما يمنح فرصاً لإزدهار الثقافة الإنسانية والوطنية. اختزنت ذاكرة الباقري الكثير من حوادث الناصرية ووقائعها وتاريخ شخوصها، من سياسيين ومفكرين ومتمردين وبسطاء، فأصبح جزءاً من وعي المدينة، التي شهد تألقها لا سيما في السبعينيات من القرن الماضي، ثم انهيار بُناها المريع منذ اندلاع الحرب العبثية ضد إيران عام 1980. فقد مرت على ذاكرته المتيقظة حوادث وأحزاب وحروب مدمرة وحصار تراجيكوميدي عانى منه كثيراً، شأنه في ذلك شأن الملايين من أبناء الناصرية المهملة والعراق العجائبي! ولا أوجع على قلب الباقري من سرد قصص مؤلمة عن قيام المثقفين العراقيين ببيع كتبهم وهو من بينهم خلال سنوات الحصار، لينقذ نفسه وعائلته من غائلة الجوع .. (ما مرَّ عامٌ والعراق ليس فيه جوع / أنشودة المطر للشاعر بدر شاكر السياب) فالتاريخ يعيد نفسه في العراق على شكل مهزلة! المعلم والمترجم والناقد والمؤلف المسرحي والروائي والقاص، الذي لم يأتِ نشره لقصة (اللصان) في مجلة الآداب اللبنانية عام 1962، وتميزه المبكر في ترجمة رصيف سوق الأزهار عام 1970 عن اللغة الفرنسية لكبار الشعراء بينهم سان جون بيرس وبول إيلوار وغيرهما، حيث قدم الشاعر الشهيد خالد الأمين لكل قصيدة من القصائد، إلّا في سياق جهد الكتابة والتأليف الأدبي والفني، في مدينة شهدتْ لها على الأقل عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن العشرين باعتبارها ولود المبدعين. فثمة عروض مسرحية وجمعيات أدبية ونسائية ومعارض فنية ومقاهي تعتبر صالونات أدبية. وكل هذه الفعاليات تدعهما طبقة وسطى كانت مزدهرة في ذلك الوقت، الذي شهد استقراراً سياسياً وانتعاشاً اقتصادياً، قبل حوالي عقد من مجىء البعثفاشية واغتصاب السلطة للمرة الثانية عام 1968. لقد أولى كتاب القصة الستينيون اهتماماً بالمضامين الإنسانية، ووضع جيل السبعينيات القصة القصيرة في أطر التجريب واجتراح لغة جديدة، فجاءت قصصهم أكثر تعبيراً عن الواقع وأزماته حيث أطروا السياسة بالمضامين الإنسانية، والقاص الباقري كان أحد هؤلاء حيث طرح في قصصه الأربع في (سماء مفتوحة إلى الأبد) 1974 ، وهي المجموعة القصصية المشتركة مع القاصَّين الراحلين عبد الجبار العبودي ومحسن الخفاجي، مضامين إنسانية مع تجريب أشكال جديدة في فن القصة المنتجة أصلاً في بيئة حكائية. عاصر الباقري نصف قرن من ذاكرة الناصرية في الحياة والكتابة، يوثق لثورة الغموكة اللافتة في سجل الكفاح الوطني العراقي، ضد الحكم الرجعي في نهاية الستينيات وأحداثها وشخوصها، بما يريح ضميره وقلمه، ويترجم بذائقة رفيعة، ويكتب قصيدة النثر الخالية من البلاغة والتكلف فيقدمها بسيطة.
 الرحمة والسلام والطمأنينة لروح الصديق أحمد الباقري.
_____________
ببلوغرافيا
أحمد الباقري (2020-1941)
 أكمل دراسته الإبتدائية والمتوسطة في مدارس الناصرية، ودرس في اعدادية تجارة الجعفرية في بغداد، بعد ذلك عُيِّنَ معلماً بعد ثورة 14 تموز عام 1958. ثم درس في معهد الفنون الجميلة/ قسم الرسم في بغداد وتخرج فيه عام 1962-1963 . وعُيِّنَ معلماً للتربية الفنية في متوسطة سوق الشيوخ، بعد ذلك انتقل للعمل كمعلم للتربية الفنية في مدارس الناصرية، وفي عام 1969 أوفد لتدريس مادة التربية الفنية في المملكة العربية السعودية في متوسطة المِذْنِبْ في مدينة القصيم. وعاد إلى العراق عام 1970 للعمل في المدارس الابتدائية. أحيل على التقاعد في عام 1990.
أصدر الكتب التالية
* رصيف سوق الأزهار وهو كتاب مترجم عن اللغة الأنجليزية ضم قصائد لكبار الشعراء الفرنسيين في القرن العشرين وصدر في عام 1970.
* سماء مفتوحة إلى الأبد وهي جموعة قصصية بالاشتراك مع القاصين محسن الخفاجي وعبد الجبار العبودي وصدر في عام 1974.
* ممر إلى الضفة الأخرى وهي رواية عن ثورة الكفاح المسلح في أهوار الجنوب العراقي في الستينيات وصدرت في عام 2005.
* انعكاسات على مرآة في شارع الروح وهي مختارات أدبية ضمت قصصاً وقصائد نثر وشهادات أدبية عنه صدر عن اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين/ ذي قار في عام 2010 وعن دار رند في سوريا. * انعكاسات على مرآة في صحراء الروح وهي قصائد نثر صدر عن اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين/ ذي قار في عام 2014.
* ترجم مسرحية الزنوج للكاتب الفرنسي جان جنيه نشرت في مجلة الأقلام العراقية عام 1974
* ترجم قصائد مختارة للشاعر المكسيكي أوكتافيو باث (نشرت في مجلة الثقافة الأجنبية في بغداد في عام 1999.
* ترجم قصائد مختارة للكاتب الأنجليزي لورنس داريل تحت عنوان شجرة الخمول نشرت في مجلة الثقافة الأجنبية في عام 1994.
* ترجم مختارات شعرية لشعراء فرنسيين محدثين نشرت في مجلة الثقافة الأجنبية في عام 2000.
* نشر قصصاً مترجمة منها الامتحان لفاسيلي شكشن وعاشقان في ديسمبر ليوري كازاكوف ومريم وأطفال في أعياد الميلاد وشجرة الليل لترومان وغيرهم.
* نشر العديد من قصائد النثر والنقد الأدبي والنقد التشكيلي في الصحف والمجلات العراقية والعربية.