ناصرية مكسيك
الجزء الأول
(12 آذار 2019)
على الذرة والقرع والفول عاش المكسيكيون الأوائل، وبنوا حضارات أولميك والمايا واللتيوتهاكان والزابوتيك والأزتيك، خلفتْ وراءها معالم عمرانية وآثارية بعضها شاخص حتى اليوم. ومعارفَ وفنوناً وآداباً وأساطير، نُسجتْ حولها قصص وشفاهيات. والمكسيك اليوم قوة اقتصادية كبيرة إذا استحضرتُ أول ذكر للمكسيك من ذاكرتي، فهي آدابها وفنونها، والأفلام والمسلسلات وتتناول قضايا اجتماعية مثل العصابات والمخدرات، وسياسية مثل استقلال المكسيك عن الاستعمار الأسباني، بعد احتلال دام ثلاثة قرون (1810-1521) * المكسيك الغنية بتراثها الحضاري والثقافي، ويتداول سكانها 68 لغة و350 لهجة، لها على قائمة التراث العالمي، بحسب تصنيف اليونيسكو 35 موقعاً. ولشدَّما بهرتني الموسيقى المكسيكية منذ وقت مبكر من حياتي، ولا سيما مارياتشي (Mariachi)، وموطنها الأصلي في الغرب المكسيكي، لا في الجنوب كما يخطىء بعض الصحافيين والمدوّنينَ. ترعرعتْ مع المزارعين خلال قرنين من الزمان، وتحكي في ايقاعات حزينة ثم تتحول إلى مرحة، قصص الحب والخيانة والرجولة وآلام الفراق وعناء الأمهات. لموسيقى ماريتشي القدرة على توحيد الشعب المكسيكي بكل أعراقه. وما ارتاحتْ نفسي حتى شاهدتُ فِرَقَها وسمعتُ موسيقاها حيةً على شواطىء كانكون، أول ما وطأت قدماي أرضها. وفيما بعد موسيقى ديخانو، وموطنها جنوب المكسيك، ورانشيز إحدى فروع مارياتشي! أصغي كثيراً إلى الموسيقى المكسيكية، لما فيها من بهجة للروح واحتفاء بالحياة والحب، أنتبه أحياناً إلى جُملٍ فيها، وأقارنها مع جُملٍ في الموسيقى العربية، فأراها متشابهة إلى حد بعيد! ولم تعرف موسيقى السكان الأصليين ولها جذر أفريقي، الآلات الوترية والنحاسية قبل الاحتلال الأسباني، بل الايقاع والآلات النفخية، الخشخاشات والمزامير القصبيَّة، الطُّبُول، والأبواق الصَّدفيَّة، حيثما أُدرجتْ فيها أصوات الحيوان والطبيعة. كلا الأزياء والموسيقى كانتا لافتة بالنسبة لي، سواء على شاشة التلفزيون قبلاً، أم في المدن المكسيكية التي زرتها بعداً. في شوارع واهاكا تكاد تنورات الرقص النسائية أن تطير من شدة الفرح! وياله من قوام ممشوق للراقصات خلال الدوران على أنفسهنَّ دورات كاملة، وقدرة فنية على تشكيل التنورات زاهية الألوان على شكل فراشات ملونة، أو إذا شئتَ حلزونات بحرية ملونة. الموسيقيون في بزة الـ"تشارو" التَّقليديَّة المزركشة، بالفولوكلور الشعبي المكسيكي، ينشرون الفرح مع أنغام الموسيقى في الساحات العامة والمطاعم وعلى الشواطىء. الأبسطة المخططة والملونة على الأكتاف، والشوارب الكثّة، والقبعات العريضة الملونة الشبيهة بالحصران المحلية في العراق، أو الملونة والمزركشة ذوات الحواف المعقوفة. ولا أعلم لماذا لم يستغل الحرفيون العراقيون، خوص النخيل المتوفر بكثرة في صناعة القبعات؟ هل أن مردَّ ذلك انعدام وجود ثقافة ارتداء القبعات؟ في بلد الثلاثين مليون نخلة! التي لم تبقَ منها سوى بضعة ملايين! بدأتْ هجرة العرب إلى المكسيك منذ القرن التاسع، سنة وشيعة، وعددهم يربو على الأربعة آلاف نسمة، من فلسطينيين وسوريين وعراقيين، ولبنانيين أشهرهم الملياردير كارلوس سليم الحلو، الذي يوصف بأنه حَوَّلَ الهواء إلى ذهب! واستقر أغلبهم في مدينة بويبلا، التي زرتُها وكتبتُ عنها كما يرد في سطور قادمة. للوهابية في العاصمة مكسيكو سيتي مسجد باسم السلفي محمد بن عبد الوهاب. وللشيعة حسينية أهل البيت، وللسنّة مسجد عمر الإسلامي في تيخوانا. وهكذا هم المسلمون لا يحلو لهم الاجتماع إلّا في معبد، ينشؤونه في بلدان المنفى، وكان تحول في العقود الأخيرة، بما له من وظيفة اجتماعية وهوياتية، إلى بازار للبيع والشراء وتبادل السلع وأشياء أخرى! كما لفتَ انتباهي الروح الحيّة في أدب الأمريكتين، بما انطوتْ على مناهضة الدكتاتوريات، وكانت الثقافة العراقية تحتفي بكبار كُتّابها، باز وميسترال وبورخيس وماركيز وغيرهم، وغنية بترجماتٍ لكبار أدباء أمريكا اللاتينية. لفت انتباهي كذلك شعر أوكتافيو باز (ت 1990)، في  مرحلة مبكرة من كتابة الشعر. إن ما حبَّبَ إليَّ أشعاره ليس بصيرة الشاعر وتجاربه البنائية، وتجريبه الذي قاده إلى الحركة السريالية حسب، بل موقفه المناهض للفاشية والأنظمة العسكرتارية في أمريكا اللاتينية. وكم كانت مذهلة رقصة الهنود في ساحة الدستور، وهي القلب التاريخي للعاصمة وتسمى ساحة زوكالو. ويقع القصر الوطني في جزئها الشرقي، وتنظم فيها الاستعراضات العسكرية والفعاليات الاجتماعية والرياضية، وتعقد فيها حلقات رقص الهنود الحمر في كرنفال لا نهاية له. وثمة آثار الأزتيك التي تغطى بقطع من البلاستيك مساءً في طرف الساحة، وفي زوكالو من عروش صباغي الأحذية ما يثير الإعجاب، ومن الشرطة المدججين بالسلاح ما لا يمكن للسيّاح إذا ما شاهدوا استعداداتهم إلّا الحذر من اللصوص! فيتحسس السائح حقيبته اليدوية ويشد يده شداً عليها! وروائح طعام التاكو، حيثما اصطحبتني صديقة مكسيكية إلى المناطق الشعبية في ضواحي العاصمة، لتناوله في مطعم شعبي يفتح النفس، متناسياً تعليمات الحفاظ على السلامة!
__________________________
 * بالسيف والصليب شنَّ نائب الملك الأسباني وجيشه المحتل، حرباً شعواء ضد المكسيكيين، ارتكبوا مذابح وقمع وبنوا كنائسهم على قمم معابد الأزتيك، وسرقوا فضة المكسيك، وكانت تنتج وحدها ما ينتجه العالم أجمع، وتنتج من الذهب أكثر من أي دولة أخرى في العالم! وتمت أسبنة المكسيك بالقضاء على هويتها الحضارية، أبدلتْ لغة الناوتل، وهي لغة الأزتيك المحلية بالأسبانية، وقام الآباء الفرنسيسكان والحركات التبشيرية بنشر المسيحية، حتى أصبح أغلبية المكسيكيين يعتنقون الديانة المسيحية، ويعتبرون من أتباع الكنيسة الرومانية الكاثوليكية. ** الولايات المتحدة المكسيكية وتعرف باسم المكسيك، وهي جمهورية دستورية فيدرالية في أمريكا الشمالية. إسم المكسيك مأخوذ من اسم إله الحرب وراعي الأزتك، آخر حضارات المكسيك قبل الغزو الأسباني لها في العام 1821. *** وما لفت انتباهي وأنا ابحث في المظان عن علاقة العرب بالمكسيك، هو أن مصر بعدما أرسلت جيشاً إلى حرب القرم العثمانية الروسية (1853-1856) لمساندة الدولة العثمانية، أرسلت بعد حوالي عشر سنوات لوائين من الجيشين المصري والسوداني، لمساندة حكم الإمبراطور المكسيكي مكسيمليان المدعوم من فرنسا، ضد الثورة الوطنية التي قامت ضده (سافرت الأورطة في العام 1863 وعدد جنودها 453 وعادت في 8 يناير 1867 بعد أن فقدت 140 جنديًا، مات 46 منهم من المرض! SUDANESE SOLDIERS IN MEXICO. A Black Corps d'Élite: An Egyptian Sudanese Conscript Battalion with the French Army in Mexico, 1863–1867, and its Survivors in Subsequent African History. By RICHARD HILL and PETER HOGG. East Lansing, MI: Michigan State University Press, 1995. Pp. xxii+214. No price given. (ISBN 0-87013-339-X) (1) قررتُ بعد انقضاء زيارة عشر دول في أوربا الشرقية في نهاية العام 2018، تفقُّدَ السفينة التائهة في عرض البحر التي يسمونها العراق! بل قُلْ زيارة الناصرية! فأنا لا أغادرها إلى بغداد إلّا لُماما. متفقداً أحوال أمي التي تقدم بها السنُّ، وما تبقّى من أفراد العائلة. أمضيتُ عشرة أيام في الناصرية، وكانتْ أحوال الخدمات فيها غاية في السوء، مقارنة مع أول زيارة إليها في العام 2013. شاختِ المدينة أكثر من الُّزوم، بعدما خنقتها النفايات المنتشرة في كل مكان خنقاً. وكلَّما تحولتِ الشوارع العريضة، بما انتشر فيها وعلى أرصفتها من بسطيّات ونفايات، إلى أزقة ضيقة، أطبق اليأس على قلوب السكان، ففوّضوا أمرهم إلى الله، من كل فاسد ومتآمر على العراق! ومن الناصرية إلى لندن للقاء شقيقين مقيمين فيها، أمضيتُ معهما أربعة أيام، قبل أن أشتري تذكرة السفر إلى المكسيك لأول مرة في حياتي. وكان الترانزيت زهاء 11 ساعة، في مدينة دوسلدروف الواقعة في غربي المانيا، أضف إليها 12 ساعة من التحليق فوق المحيط الأطلسي، قبل الهبوط في مدينة كانكون في صباح يوم 23 شباط 2019. كم بدا المسافرون على متن الطائرة ومعظمهم من الألمان سعيدين؟! تزجيةً للوقت الطويل كان أكثرهم منشغلينَ في المطالعة، أو مشاهدة الأفلام في شاشات صغيرة مثبتة أمامهم، التي توفرها الشركات على متن طائراتها الحديثة، والاستمتاع بالألعاب الالكترونية. حصلتُ في مطار كانكون على فيزا لمدة 100. *** شواطىء المنتجعات، حيث لا يحلو استرخاء السيّاح والمكسيكيين إلا على رمالها البيضاء، وعزف الموسيقى المحلية، وركوب الزوارق الشراعية. كهوف بحرية وتزحلق على الحبال بين أشجار الغابات، ومتحف تحت الماء يجد فيه السائح بالغ المتعة، وسواق سيارات الأجرة يستغلون السيّاح، كما يُستغلونَ في مصر وتايلند والهند وغيرها! بين مدينتي كانكون وميريدا هناك مواقع أثرية لشعب المايا، وفي مقدمتها تشيشن إيتزا، إحدى عجائب الدنيا، وبناها شعب المايا في الفترة الكلاسيكية الختامية، وأهرامات كوكولكان التي تتكون من 365 درجة، وحوالي 52 عتبة و18 مدخلا. لم أزر تشيشن إيتزا، طلب مني الموظف أكثر من 100 دولاراً ليوصلني إليها، في طريق سياحي لا يبعد أكثر من ساعة، كم أكره الاستغلال؟ لكني سأزورها حتماً في زيارة ثانية إلى المكسيك. كانكون مدينة الفقراء تسيطر عليها الشركات الأمريكية والبريطانية، الأولاد يبيعون الخردوات وورق الكلينكس، والآباء يعملون في تنظيف الفنادق والشوارع!*** في المدينة النظيفة الهادئة كانكون حجزتُ خلال موقع الكتروني يدعى (www.booking.com) سريراً في قاعة نوم مشتركة نساءً ورجالاً، في هوستيل يدعى كوكو، يرطن النزلاء في باحته باللغة الإنكليزية، لكن اثنين منهم يتحدثان باللغة اليابانية، خَمَّنتُ ذلك لأني أستطيع أن أُميّزَ بعض الكلمات والجُمل، بعد زيارة قمتُ بها إلى اليابان في شهر نيسان من العام 2018، فضلاً عما تعلمته من اليوتيوب. وضعتُ حقيبتي الظَّهرية في الطابق العلوي لسرير يتألف من طابقين، وكان الهوستيل وسخاً والخدمة فيه سيئة، أو قل هو بلا خدمات أصلاً! مثلاً لا يوجد حتى صابون أو شامبو في المغاسل والحمامات، وهو أقل ما يمكن أن تقدمه الفنادق والهوستيلات عادة! بدتْ كانكون في ظهيرة ذلك اليوم، مدينة هادئة ونظيفة ووادعة. يتجول السيّاح الأوربيون في شوارعها وحاراتها. يرتادون مطاعمها ومقاهيها، أو يقودون الدراجات الهوائية مع صديقاتهم أو زوجاتهم. ومنهم مَنْ أطلق لحيته وشعره وارتدى ثياب الهيبيين، أو ثياب المكسيكيين التقليدية. على أني لم أشاهد عشيقة أو زوجة مكسيكية مع أي من الأوربيين كما في تايلند، حيث ينتشر هذا الأمر فيها على نطاق واسع، لأن نسبة كبيرة من كبار السنِّ الأوربيين، وكل واحد منهم مشروع قبر، اقترنوا بتايلنديات في أعمار بناتهم! أو اتخذوا منهنَّ صديقات مؤقتات أو دائميات. كانكون التي يزورها سنوياً أكثر من أربعة ملايين سائحاً بمعدل 200 رحلة جوية يوميا، يتوسطها كراج لنقل الركاب، تنطلق منه حافلات على مدار الساعة إلى سواحل (بلايا ديل كارمن)، وكذلك إلى مدن أخرى تقع في الطريق إلى العاصمة مكسيكو ستي. في مقهى شعبي وأنا أتناول القهوة، غمرني شعور من يتآلف مع المكان الجديد، بفضاء حرية أكبر، وراحة نفسية بعد الرحلة الشاقة. تجولتُ في كانكون بعد الغداء واحتسيتُ بيرة مكسيكية طيبة صنف (آندو)، وأنا أوصي بها وكذلك التيكيلا المصنوعة من نبات آكاف التيكيلا الأزرق الذي شاهدته ولمسته بيديَّ، فهما لذة للشاربين وأعدُّهما فخراً للصناعات المكسيكية! ولما اشتريتُ زجاجة ثانية لأشربها في الشارع، كما اعتدتُ على ذلك في مدن تايلند وبرلين، تقدم مني رجل عجوز من السكان المحليين، وقال بلطف كلاماً فهمتُ منه (بوليس) ، فأرجعتُ الزجاجة إلى الكيس. وعدتُ قبيل المغرب إلى الفندق فوجدتُ أحد اليابانيين منهمكاً في الحديث مع حسناء يابانية شابّة وصلت للتوّ، أسكنها موظف الفندق في الطابق السفلي لسريري! سلمتُ عليهما بلغتهما وصافحتهما ففرحتِ الشابّة وقالتْ حسناً إنك تتكلم اللغة اليابانية، ولما سمع الرجل كلامها استأذن بأدب وغادر القاعة! حسبَ أني أجيد اللغة اليابانية! - إسمي فلان وأنت ما اسمك؟ - أكيمي وتعني شروق الشمس وغروبها! لو أظفر منها بقبلة واحدة؟! واحدة فقط، فما معنى النوم المشترك بين الرجال والنساء في قاعة واحدة، وهم من ثقافات وبلدان مختلفة، ولا يحصل المأمول؟! قلت ذلك في نفسي وأنا أتأمل شفتيها الورديتين وعينيها السوداوين الواسعتين، وشعرها الأسود المنسدل على كتفيها الأبنوسيتين. الرقيقة جداً كانت تبتسم وهي ترطُنُ بالإنكليزية، وأنا لا أملُّ من سماعها تتحدث عن البلدان التي زارتها ورغبتها في زيارة مصر. - أتمنى أن تتحسن الأوضاع في العراق في يوم قريب، وسوف أكون في خدمتك خلال زيارتك إلى بلدنا حيث الناس الطيبون والآثار والأنهار والأهوار! رَدَّتْ على العرض بابتسامة فيها قراءات متعددة! هل كانت تعني أن العراق ليس وجهة سياحيّة مفضلة بالنسبة لها في الوقت الحاضر؟ أم لا رغبة لديها في الزيارة على الإطلاق؟! غير أني لم أنشغل بالتفاصيل الصغيرة، لأمر شبه ميئوس من اصلاحه في الزمن المنظور! نزهة المساء بصحبتها في شوارع كانكون كان لها بالغ الأثر في نفسي، المرهقة من أوضاع العراق المأساوية عامة، وتدهور أحوال الناس في الناصرية على كل الأصعدة خاصة، جراء الفساد المالي والإداري وتراجع خدمات وغيرها. وعلى أنغام فرقة موسيقية تتألف من ثلاثة رجال يعزفون على الجيتارات وواحد يضبط الإيقاع، تناولنا العشاء في مطعم بعيد نسبياً عن الهوستيل. رفضتْ أن أدفع ثمن طعامها فكبرتْ في عيني! تجمع تربيتها بين حداثة التعليم في المدارس اليابانية والتقاليد الأسيوية العريقة. ولم تكن طمّاعة مثل السائحة الإنكليزية في مدينة تولوم التي سوف يرد ذكرها في سطور لاحقة! وضعتُ يدي اليسرى بيدها اليمنى طوال الطريق ولم تمانع، ولو كانتْ تجيد اللهجة العراقية لغنيتُ لها أغنية سعدي الحلي عشك أخضر (العمر من غير حب شيفيد .. لِمني بعصرة جفوفك!) من كلمات الشاعر ناظم السماوي. داومتُ خلال اجتيازنا خطوط العبور على وضع يدي على كتفها، كما لو أني أحميها من مرور سيارة مسرعة، لا وجود لها إلّا في خيالي! حضنَ صداقةٍ وتعارفٍ حضنتَها قبل النوم، فشممتُ رائحة الصّابون اليابانية العطرة بعد الحمام. قلتُ لها تصبحين على خير وصعدتُ إلى سريري، ثم قرأتُ شيئاً ما ونمتُ. وقُبيلَ الفجر صحوتُ فنزلتُ بتؤدة لئلا أوقظها في القاعة نصف المضاءة، سيّاحها يَغُطُّونَ في نوم عميق، وذهبتُ إلى الحمام. ولما عدتُ وجدتُ أن الشرشف الأبيض انحسر عن ساقها وفخذها الأبيض الممتلىء، فارتجف قلبي وجعل يطرق في صَدغيَّ، لا في صدري كما يقول الشعراء! إن قميص نومها الأبيض الشفاف وما يبرز من حمامتيها الهاجعتين في عشّيهما، ناهيك بذراعيها البضَّين، المصنوعين بتؤدة حفار خشب القديسين في  الكنائس الباروكية، ليضعف أمامها كل صنديد أو صَبور! صبرتُ وما صبرتُ، لكني ترددتُ في اللحظة الأخيرة، وتسلقتُ السُّلَّمَ إلى سريري ببطء، كئيباً مثل قرد التَهَمَ شقيقُهُ الأكبر عشاءه! في الصباح وأنا أهبط من السرير بهدوء لئلا أوقضها، ألفيتها بقميص النوم الزهري الشفاف قرب المغسلة تضع مكياجاً خفيفاً، وبعد قليل نزلنا يداً بيد إلى قاعة الفطور في الطابق الأسفل. أخبرتني ونحن نتناول الفطور بأنها لم تكن مرتاحة في صالة النوم المشترك ولم تتعود على ذلك من قبل، قلت لها أنا كذلك أشعر في ألم في رقبتي، فالوسائد في هذه القاعة سيئة ووجدتها فرصة سانحة، فاقترحتُ عليها تأجير غرفة مستقلة في نفس الفندق فوافقت بغنج وقالت - على شرط أن تكون بسريرين! - سرير واحد يكفي! وأنت من ينام في الطابق العلوي! قلتُ لها مازحاً خمسُ ليالٍ وستة أيام قضيناها معاً في غرفة نظيفة مطلة على حديقة مشمسة، تجولنا في الشوارع والمتاحف والأسواق واشترت هدايا لأفراد عائلتها وصديقتها. أوصلتها إلى المطار فجراً وتبادلنا أرقام الهاتف والواتس أب، وآخر ما كتبتْ لي عن أخبار جائحة كورونا في بلدها، عن نفاد المطهرات من أسواق العاصمة، وخوف الناس وبقائهم في منازلهم لا يبرحونها إلّا عند الضرورة القصوى.