كوالالامبور .. الفساد وبرجا بتروناوس وقصة السفارة العراقية!
لا توجد سفارة عراقية في العاصمة التايلندية بانكوك حيث كنتُ أصطاف في عام 2019، فاضطررتُ إلى مراجعة السفارة العراقية في العاصمة الماليزية كوالا لامبور للحصول على وثائق عراقية.

خدعني سائق التكسي الذي أخذني من الفندق إلى السفارة لمسافة لا تزيد عن ثلاثة كيلومترات، قائلاً بأنه لم يعلم بأن في الطريق أشغال حفر وتعبيد! وكان عليَّ دفع مبلغ مضاعف لأنه سيستدير بسيارته إلى طريق آخر بقصد إطالة المسافة! فهمتُ القصدَ ونَقَدْتُهُ في باب السفارة دولارين زيادة على الثمن المتفق عليه!

نبهني حرس السفارة وهو ماليزي بأن الدخول إليها ممنوع بالبنطال القصير، وهو ملبوسنا اليومي في صيف تايلند، فتعجبتُ من ذلك وقلتُ له نادِ على موظف الإستعلامات لأتحدث معه. وبعد قليل جاء رجل في منتصف الخمسينيات من عمره أصلع ربعة. كان قليل التهذيب وكأنه يمنعني من الدخول إلى حرم قدسي!
- يمنع منعاً باتاً مراجعة سفارتنا بالبنطال القصير، إذهب إلى السوق واشترْ بنطالاً طويلاً حتى نسمح لك بالدخول!  شتمتُ في الحال حكومة بغداد ووزير الخارجية، وكان حينذاك الفاسد والثرثار إبراهيم الجعفري.
ثم قلتُ للموظف ساخراً
- من أعطاكم تلك التعليمات؟
- هل هو وزيركم الحرامي إبراهيم الجعفري؟
أم وكلاء الخارجية وشؤون السفارات (الدمج) ممن جاءت بهم الأحزاب بعد عام 2003؟
***
كم تمنيتُ لو أني لم أسافر من تايلند إلى ماليزيا! لألاقي من يفرض عليّ شكل ثيابي في بلد أجنبي بحجة الإسلام والعادات والتقاليد الزائفة!
ذهبتُ بسيارة أجرة إلى السوق البعيد وعدتُ منه بعد حوالي ساعتين إلى السفارة مرتدياً بنطلوناً رخيص الثمن على قدر حاجة السفارة إلى ذلك!
سلمتُ على المراجعين في الصالة التي تشبه صالة الإنتظار في جهاز أمني عراقي خلال العهد البائد! وتعرفتُ على الدكتور صلاح ويعمل مهندساً في شركة بتروناوس الماليزية التي تنقب عن النفط في الغراف بمحافظة ذي قار. وكان طيب القلب ودوداً.

أطلعني الموظف على صيغة الوكالة العامة التي طلبتها فوجدتها حافلة بالأغلاط الإملائية، في سفارة شددتْ على ارتداء البنطال الطويل، لكن لم تشدد على لغة مخاطباتها في استماراتها ولا سيما التاء المربوطة! حيث تكتب بالهاء كما يكتبها البعض في صفحات التواصل الاجتماعي! ومن اشترى شهادة الدكتوراه بالدولار من الجامعات المصرية! أما كتابة الهمزة والألف المقصورة فحدث ولا حرج! وطلب مني الموظف وضع خط تحت كل غلط ففعلتُ فإذا هي 14 غلطاً فابتسم قائلا
- إنه ليس ذنبنا بل ذنب وزارة العدل! لأن هذه الإستمارة صادرة عنها!
قلتُ لهُ
- هذا أمر وارد!
- ماذا تعني؟
- أعني إذا فسدتِ الحكومة في بغداد فسدتْ كل المؤسسات في العراق وخارجه!
***
في صالة الفندق وعلى مائدة الإفطار في اليوم التالي تعرفتُ على عدد من النزلاء وهم من السيّاح. وكان يجلس إلى جانبي رجل أوربي في منتصف الأربعينيات من العمر فسألته كم مضى على سياحتك في ماليزيا؟
- أنا لست سائحاً بل مقيم في كوالالامبور منذ سنة ونصف!
- هل تعمل هنا في إحدى الشركات؟
- كلا، أنا خبير أسباني في قضايا الفساد الحكومي ومنتدب للعمل في ماليزيا!
- ما هو حجم الفساد هنا في اعتقادك؟
- آه .. كثير جدا!
قال ذلك مبتسماً. وكان مسحٌ لمنظمة الشفافية الدولية في عام 2013 ، أظهر أن الفساد يضرب أطنابه في ماليزيا! وأن إجراءات الحكومة وأحزابها الفاسدة مثل الأحزاب العراقية الحاكمة اليوم، غير فعالة في مواجهة تلك الآفة! وسوف تظهر علامات ذلك أكثر وأكثر بعد الإطاحة برئيس الوزراء (نجيب عبد الرزاق) في شهر تموز من عام 2018، وما زال يحاكم حتى اليوم مطلع عام 2020 وأنا أكتب هذه السطور، بتهم فساد بمليارات الدولارات من صندوق حكومي أسَّسَهُ الرئيس نفسه! بما في ذلك تلقّي رشىً من حكومة المملكة العربية السعودية!
***
قررتُ بعد حصولي على الأوراق الهامّة من السفارة زيارة الأماكن السياحية في العاصمة وهي أكبر مدن ماليزيا. ومن أبرز معالمها برجا بتروناس وتايم سكوير والحي الصيني. وما سُمِّيَ بشارع العرب حيث تصطف على جانبيه المتاجر والمطاعم ومكاتب تغيير العملة. وأسوأ ما في هذا الشارع أن الشبّان العاملين في المطاعم  وأشهرها مطعم طربوش وأغلبهم سوريون، كانوا يعترضون المارَّة اعتراضاً غير لائق. يلاحقونهم متملقين لهم فاتحين في وجوههم ألبوم صور ملونة للأطباق التي تقدمها مطاعمهم! شيء مقرف اضطرَّني إلى أن أسير في الجانب الثاني من الشارع الذي ينتهي بمول بافيلون الشهير، وهو حديث جداً لكن بضائعه غالية الثمن، ويقع إلى جانبه شارع قصير تتوزع على جانبيه حانات يقف عمالها معترضين المارَّة أيضاً، لكن أكثرهنَّ من النساء الجميلات فأهلاً وسهلاً بكل المعترضين!

رسامون وفرق موسيقية وسيّاح من دول مختلفة بينهم عراقيون وعرب يملأون شارع العرب، الأرجح أن دولاً معدودة تمنح الفيزا للعراقيين بينها ماليزيا فهرعوا إليها بعد عقود من الطغيان والحروب ومنع السفر. لا يمكن مقارنة ماليزيا بتايلند ولطف أهلها وجمال طبيعتها. أما توفيرها للوجستيّات السياحة فتلك علامة فارقة تميز البلد الجميل، عن دول سياحية مجاورة مثل لاوس وكمبوديا وفيتنام على سبيل المثال لا الحصر.

 في قلب كوالالامبور هنالك مكتب سفر عراقي يستقبل السيّاح من العراق بشكل منتظم ويُسْكِنُهُمْ في فندق تحت مبنى ( تايم سكوير)، وهو مصنف كفندق خمس نجوم ويعدُّ أبرز معالم العاصمة. ثمة عوائل تنتظر في باب الفندق حافلة وفرها لهم المكتب لبدء جولة سياحية في العاصمة، وشبّان يقضون شهر العسل مع زوجاتهم الخجولات ما منحني الشعور بالسلام الداخلي بين أهلي العراقيين. فبعد فترة طويلة من التخاطب مع الناس باللغة النرويجية أو الإنكليزية، وما أفهمه من مفردات وجمل باللغة التايلندية، صرتُ أضحك ملء الفم مع العوائل والعزّاب، في حافلة متجهة نحو مناطق سياحية مختلفة في العاصمة، ورحنا نغني بشكل جماعي أغانٍ عراقية قديمة وحديثة. وكان من حسن الصدف أني تعرفتُ على سائِحَيْنِ قدم الأول نفسه في استعراض هُويّاتي، كم تمنيتُ لو أن الكثير من العراقيين يقلعون عنه، بأنه إسلامي! وقدم الثاني نفسه من دون أن أطلب منه ذلك قائلاً بأنه مُلحد! فخطر في بالي وفي أجواء الحرية بعد عام 2003 تَغَلُّبُ الهويات الفرعية على الهوية الوطنية الجامعة! لكن الناس حسب الدستور العراقي الجديد لسنة 2005 أحرار في ما يعتنقون من ديانات ومذاهب وأفكار ومعتقدات. وما لبثتُ أن غنيتُ لهما في أجواء الطرب والمرح وبصوت خفيض أغنية سعاد حسني الشهيرة (الدنيا ربيع والجو بديع .. قفل لي على كل المواضيع!) علامة على أننا في سياحة فدع الماضي وراء ظهرك أيها السائح وتمتع بالمناظر الطبيعية! ومن روعة الصداقة والشهامة العراقية أن طلبا مني مغادرة فندقي والإقامة معهما في  فندقهم مجاناً. فاعتذرتُ لهما في الحال لأني نقدتُ صاحب الفندق الذي أقيم فيه أجرة لمدة أسبوع!
***
منحني التجول بالحافلة المحلية المجانية في اليوم الثالث في مربع المدينة الهادئة نسبياً، فرصة مشاهدة أعلى برجين في العاصمة وهما المنارة، وتوأم بتروناس الأنبوبي الذي إن لم تزره فلا مهرب من مشاهدته لأنه يلوحُ لك في الحافلة أو في الشارع أو في شرفة الفندق وأي مكان في العاصمة! ومن الخطأ القول بأنه أعلى برج في العالم فبرج العاصمة التايوانية (برج تايبيه) وارتفاعه 508 متراً ويتألف من 101 طابقاً مثلاً أعلى منه. والأعلى من كل الأبراج في العالم كما هو معلوم هو برج خليفة في دبي. وكانت شركة بتروناس النفطية طلبت إنشاء البرجين، ويُعَدّان من معماريات ما بعد الحداثة وافتتحا في عام 1999. برجان أنبوبيان متجاوران أشعر بألم في رقبتي كلما حاولتُ التسلق بنظري إلى هوائيتيه المثبتتين على قمتيه، ويصل بينهما جسر على علو 170 متراً. ويبلغ ارتفاع كل منهما 375 متراً ومع الهوائي يكون المجموع 425 متراً. ويتألف البرجان من 88 طابقاً يحمل الزوار إليها 78 مصعدا. أحب زيارة البرجين مساءً وأستمتع بمشاهدتهما والتقاط الصور تحتهما من زوايا مختلفة، بما انضم إلى جمالهما من روعة النافورة الراقصة تحتهما، ما يوحي برغبة عارمة إلى معانقة الجمال بفيض الحب لروعة الحياة.

سيّاح من شتى أصقاع العالم يتجولون حول البرجين وفي الممرات الخارجية حيث تتصل المساحات الخضراء بالممرات الأسمنتية وتنتشر الزهور وتجري السواقي. وبدا المئات من السيّاح تحت البرجين منهمكين في التقاط الصور تحاضناً وعناقاً! وماذا كانوا يفعلون وأنا منهم قبل اختراع الهاتف المحمول وصوره الملونة المجانية غير ذلك؟!

من المؤكد أن التقاط صورة أو صورتين من كاميرا كوداك ذات الستين صورة قبل صناعة المحمول تُغْنيهم. وسيكتفون بمشاهدة البرجين والصعود إلى أعلى نقطة فيه، بما يوفر إطلالة مهيبة على العاصمة وبيوت الفقراء والأغنياء على حد سواء!

أمامي نافورة راقصة ملونة تنثر البهجة مع الرذاذ ويرقص الأطفال على أنغامها، وخلفي مول (KLCC) بما احتوى من متاجر بيع الثياب والعطور والمطاعم والحلوى. في الصباح يمارس الماليزيون والأجانب المقيمون في العاصمة الرياضة في ممرات الحديقة، وخصصتْ فيها ملاعب للأطفال ومقاعد للراحة. مع حلول المساء تتضاعف حركة السيّاح في المول وحوله، وفي الساعة الثامنة يتجمعون لمشاهدة أنابيب النافورة وهي تنثر المياه الملونة نثراً متزامنة مع صداح الموسيقى، ولا شيء يغمرني بالسعادة أكثر من كأس نبيذ أحمر مع أصدقاء لطفاء لكني كنت وحيدا!

خمسة أماكن يمكن زيارتها في نفس المكان هي البرجان والنافورة والحديقة والمول والأكواريوم. في العادة لا أزور حدائق الحيوان والأكواريوم في بلدان السياحة، بعدما اكتفيتُ من مشاهدة جميع الحيوانات في حديقتين كبيرتين في كل من الدنمارك وبلجيكا. فالأسد نفس الأسد والحوت نفس الحوت في كل الحدائق والأكواريمات! وعليَّ تخصيص وقتي لما هو أنفع من ذلك، لزيارة المتاحف والكهوف والأسواق المحلية والساحات العامة والقصور والمعارض الفنية وغيرها.