في الهوية الوطنية العراقية.
 يتكون النسيج العراقي من جماعات وطنية غير منسجمة قومياً وطائفياً ودينياً وثقافياً، أضف إلى ذلك التبعية للعامل الإقليمي والعربي والأممي لدى بعضها، فكيف يمكن لهوية وطنية واحدة أن تجمعها وتوحدها؟ وتجعل ولاءها للدولة وللعقيدة العراقية؟!
سؤال يواجهنا دائما خلال عملية تأصيل الهوية الوطنية. إن عدم قدرة هويات العراق الفرعية على الاندماج السلمي في ما بينها، وكان يمكن أن تكون مصدر قوة روحية واجتماعية، متأت من انعدام المؤسسات الدستورية. واحتكار الموارد الاقتصادية والسلطة. وشيوع الاستبداد والعنف ابتداء من العهد الملكي مروراً بثورة 14 تموز 1958، وانتهاء بانقلاب 1968 الأسود، وصولاً إلى تداعيات ما بعد الاحتلال.
يمكن القول إن تشكيل الهوية الوطنية بدأ منذ تشكيل الدولة العراقية في العام 1921. وتذكر المدونات المعنية بتاريخ العراق، أن الملك فيصل الأول واجه صعوبة بالغة في تجميع أديان ومذاهب وأعراق وقبائل في رقعة جغرافية محددة، لم تسلم من تاثير العامل الخارجي.
ومع صعود الأحزاب والايديولوجيات في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، زاد التشظي في الهوية الوطنية لصالح أجندات خارجية، وقامت مجافاة شبه كاملة لها، وهو ناتج من جهل الأحزاب لأهميتها في عملية اندماج الهويات الفرعية، وعدم اتفاق الجماعات العراقية على تحديد تاريخ عراقي مشترك يوحدهم أمام التحديات. ويرى العديد من الباحثين أن كل فريق يقدم تفسيراته : فالقوميون يرون تقاطعاً بين العروبة والهوية العراقية، ولا يرون الوطن العراقي إلّا ضمن إطار العالم العربي، وينكرون عليه تاريخه وجغرافيته وهوياته المحلية وتنوعه! والشيعة يسردون تاريخاً طويلاً من الدم والمظالم والاحباط السياسي. والأكراد يعيشون حلم التمدد والمكاسب السياسية في إطار حلم كردستان الكبرى وتداعياته في نسق التعصب القومي. ونتيجة لهذا التراكم الذي امتد لأكثر من ثمانين عاماً، بما تضمنه من عقود من الحكم البعثي الدموي الطائفي، زائداً الخلل الفاضح في السوسيولوجيا العراقية، كل ذلك فتح الباب واسعاً بعد التغيير لظهور هويات متعددة طائفية وقومية وعرقية منقسمة، لم تجلب للعراق سوى العمليات الارهابية والتدخل الخارجي والسير نحو المجهول، ونُسي الانتماء للعراق وهويته، التي يمكن أن تعكس وحدة العراقيين مع احتفاظ الجميع بهوياتهم المحلية والفرعية.
وتلعب الثقافة دوراً مهماً وفاعلاً في الوعي الجمعي لأية أمة، وتأكيد شخصيتها الثقافية التي تتبلور عبر التاريخ، وبما أن الثقافة طريقة في التصور والسلوك، ونشاط انساني يحمل دلالات روحية ومادية، فإن المثقف يلعب دور حامل مشاعل التنوير، منتجاً لمجموعة من الأفكار والرؤى المستقبلية وتأصيلها لتعكس تطور الحياة والمجتمع. لكننا نرى أن الدولة العراقية لم تشرك المثقف العراقي في تشكيلها أو رسم سياستها أو تستشيره، بل أبقته تابعاً للسياسي في دور ملتبس عطل دور الثقافة، في النهوض بمشروعها الوطني لتأصيل الهوية الوطنية العراقية.
لقد برزت العديد من الهويات في تاريخ العراق مَثَّلتْ ذروة التشظي : الحزبية أو القبائلية أو المذهبية أو المناطقية، وهوية المثقف المفرد ضعيف التأثير في المجتمع، وفيما عمد الاحتلال العثماني إلى تذويب الثقافات المحلية في الثقافة الطورانية، نرى أن الاحتلال الانكليزي لم يبتعد عن هذا المفهوم، فعمل على ترسيخ الثقافة الاقطاعية وبما يخدم مصالحه، ولم تستطع النخب الثقافية بعد ثورة 14 تموز 1958 ، النهوض بمشروع تأصيل الهوية الوطنية، في مواجهة تحديات الثقافة العشائرية والاقطاعية والمناطقية، فيما غلب صوت الحزب وعبادة الفرد الواحد في أنساق الثقافة الدكتاتورية بعد انقلاب 1968 الفاشي.
وهكذا تأرجحت أزمة الهوية الوطنية في الخطاب السياسي العراقي، بين مقولات الدين والقومية والأممية، كمعطى حتمي للآيديولوجيات التي اعتنقتها الأحزاب والجماعات، حينما قامت على المفهوم السياسي وتركت القاعدة الاجتماعية، بمعنى قيام علاقة فوقية بين الوطن العراقي والخارج، وهكذا رأيناها تخفق في أيام المعارضة في تبني مشروع وطني، يتبلور فيه مفهوم الأمة العراقية ويحمل لواءه مشروع ثقافي. ولم تستطع المقولات المذكورة أن تكون بديلاً عن الهوية الوطنية منذ تاسيس الدولة حتى اليوم.
نعم يمكن استعادة دور الثقافة وفاعليتها ودور المثقف في طرح برنامج، يستعيد من خلاله دور الهوية الوطنية، عبر إحداث قطيعة مع ثقافة الاستبداد والانفلات من النظام الثقافي المركزي إلى نظام تعددي، وإطلاق مشروع لتجذير الثقافة العراقية وتعزيز مبادىء الديمقراطية فيها، كفيل بجعل المجتمع العراقي أكثر تماسكاً، وتحرير المثقف من تبعيته للسياسي ومن الثقافة الحزبية، وانتقاله إلى آليات ثقافة مدنية تعددية. 
ولا شك أن هيمنة الأحزاب الإسلامية على السلطة في العراق بعد التغيير، والتلويح بمشروعها بإقامة نظام يعتمد التشريع الإسلامي في الحكم، يتعارض مع طبيعة مكونات الشعب العراقي التعددية وفعاليات المجتمع المدني، كما يؤخر بناء المؤسسات الديمقراطية والدستورية، أضف إلى ذلك المسائل العقدية التي أسماها عدد من الكتاب والباحثين بألغام الدستور، وفي نهاية المطاف لايمكن للدين أو القومية أو أي من الآيديولوجيات، أن تعكس هوية موحدة للعراق بأطيافه وقومياته وأديانه ومذاهبه، لكن الإطار الوحيد الذي يمكن له أن يحتوي التعددية هو الهوية الوطنية العراقية، لتوفرها على الكثير من الآليات مثل الجغرافية والإرادة السياسية والتاريخ المشترك والثقافة المشتركة وغيرها، وبالتالي هي عامل دمج وتوحيد – لا شعاراً حزبياً - يعكس الأوضاع العراقية كوحدة شاملة لايمكن تجزئتها.
إن المشاركة السياسية الواسعة للجماعات العراقية، والتشريعات البرلمانية التي تضمن التوزيع العادل للثروات، واحترام الخصوصية للجماعات والهويات الفرعية، في إطار تعزيز الثقة بينها وبين الدولة، أضف إلى ذلك التطور الاقتصادي والقضاء على الفوارق الطبقية، والسعي في عملية الاندماج بين الجماعات والثقافات في موشور الولاء للدولة في إطار التعايش السلمي، وتطويع الهويات الفرعية ليكون ولاؤها لهوية العراق الشاملة في إطار المصير المشترك، برعاية دولة يشعر فيها الجميع بالمساواة ويسود القانون في ظل العقد الاجتماعي، هذا وغيره يمكن أن يؤدي إلى رفع الهوية الوطنية العراقية فوق الهويات الفرعية للجماعات الاثنية والعرقية والقومية والمذهبية المختلفة، التي لا يمكن إلّا أن تستند على أسس قانونية يرسخها مبدأ المواطنة، في إطار من المساواة والحقوق والواجبات.
إن حماية المجتمع من الانقسامات يبدأ بمشروع عودة الروح إلى الهوية الوطنية، عبر دعم وتنمية الطبقة الوسطى (التكنوقراط/ المهندسين/ المعلمين/ الأساتذة الجامعيين) ، وهي طبقة فاعلة في المجتمع نمت نمواً مضطرداً في العقود الثلاثة التالية لتشكيل الدولة. وكانت صدى للثورة الصناعية التي سادت أوروبا في عصر النهضة. لكن دور الطبقة الوسطى اضمحل وتفككت عرى المجتمع المدني منذ صعود الأنظمة الكليانية، و سياسة الاستبداد وعبادة الفرد الواحد. إن تبني النظام السياسي لمفهوم الهوية الوطنية، من شأنه أن يبعد خطر الانقسام في المجتمع، ويقوّي الأواصر بين الجماعات والهويات الفرعية. ويمنح الهوية الوطنية دوراً سينعكس إيجابياً على علاقات العراق الإقليمية، في إطار السلام والتعايش في المنطقة .

الناصرية
4  تشرين الثاني 2018