eliza

يوميات مضيق الرمال

(11)

عينا ليزا

مع أولى إشراقات الشمس الخجولة على المضيق الهادىء، في نهاية شهر أبريل، بدأ بعض السكّان من نرويجيين وأجانب، بالجلوس في الحديقة العامة القريبة من شقتي، وكانت بينهم إليزابيث!

كانت تجلس مع رجل مسنّ قالتْ فيما بعد إنه أبوها، وراء تمثال المرأة العارية المنتصبة على النافورة الصغيرة، حيث يُخرخرُ الماء طوال اليوم. ولم أكن قليل خبرة في غوايات النساء، فالتقطتُ من ابتسامتها المُدارية لحضور أبيها، الحيّية المرسومة على شفتين موردتين، أولى إشارات الصداقة!

قبل أن أتعرف عليها كنا في لُبِّنا الأعمق شبه متضامنين، على الذهاب إلى الحديقة يومياً تقريباً، حتى إذا أدركتْ هي إحدى المقاعد المواجهة للشمس، صحبة أبيها أو من دونه، أخذتْ تَتَلفُّتُ يمنة ويسرة باحثة عني، كما أخبرتني فيما بعد. كذلك أنا، إذا ما وصلتُ قبلها إلى ذلك الفضاء العاري، بين أشجار الورد القصيرة التي لم تُزهر بعد، والطقس الذي قَصُرَتْ الشمس عن تسخينه بل قل تدفئته قليلاً، بمقدار ما يمكن للإنسان أن ينفض عن نفسه صفة الجمود ويُمَدِّدَ ساقيه، ليزيح عنهما ما تراكم من خدر المكوث ساعات طويلة، متسمراً في المنزل أمام التلفزيون!

- حدثيني عن حياتك ....

ماتتْ أمي قبل ثلاث سنوات، بسبب جرعة دواء خاطئة أعطبتْ ذاكرتها، ذبلتْ في المستشفى بعد شهور وماتتْ. أبي بحّار متقاعد عمل في السفن التي تحمل النفط النرويجي إلى بلدانٍ كثيرة، ودأب منذ توفيتْ أمي على زيارة قبرها يومياً تقريباً، في المقبرة الواقعة قبالة شقتك ولا تبعد عن شقته أكثر من 100 متر، ولي شقيق أصغر مني متزوج ومقيم في العاصمة، إنه طويل القامة مثلك، أما أنا..

- أنتِ ملاك المضيق السائر في شوارعه، ولا تكاد الإبتسامة تفارق شفتيك اللتين حَسَّنَهُما برد الشمال!

تضحكُ ليزا ملء فمها وترفع رأسها إلى أعلى، فينسكب شعرها الأشقر إلى ما وراء كتفيها، وتبين أسنانها البيضاء المنضودة ولثتها الوردية.

- والفنار الهادي لسفني التائهة في عرض البحر، تدعوها إلى المضيق! أنتِ المنبع والمصب!

تحت أشعة شمس مايو المنبعثة مما وراء الباخرة، بدتْ عينا ليزا الزرقاوان عميقتيّ الأغوار إلى أبعد ما يكون، وعميقتيّ الأثر في نفسي إلى أبعد ما يكون أيضاً. كانتا بما ترسلانه من ذبذبات غير مفهومة حين تصفنُ، تتحدثان إليَّ بلغة عَزَّتْ على الوصف، وهنا يكمن سر انجذابي لسحرهما منذ الوهلة الأولى، ولا يمكن لمن تملك مثل عينيها المشعتين بالأمل والسرور، إلّا أن يسكن بين جانحيها قلب ينبض بالحب.

أما حنان النرويجيات، فَلمَسَهُ عن قرب جرحى الكوارث ومشردوها في أرجاء العالم المختلفة، تحت أيدي ممرضات رحيمات هائمات في رحاب الإنسانية، وهنَّ في كامل طاقتهنَّ على العطاء، الطيبات المضحيات مداويات الجروح، بغض النظر عن اختلاف العنصر واللون والثقافة. كأنهنَّ مخلوقات لخدمة الإنسان والوقوف على راحته، وسوف ألمسُ ذلك في المضيق، عندما اصطحبتني ليزا إلى موعد في المستشفى قبل أسبوع، رغم انشغالها في وظيفتها، وفي سؤالها عن كل صغيرة وكبيرة في حياتي، وبعد قراءة فصل باللغة الإنكليزية وثَّقَتْهُ منظمة العفو الدولية عن مخيمنا المعزول في الصحراء العربية، وَضَمَّنْتُهُ ملحقاً في كتاب لي وجَدَتْهُ في القسم العربي في مكتبة المضيق. وما أترجمه إلى لغتها من فصول رحلاتي في أرجاء العالم المختلفة، وخاصة في دول جنوب شرق آسيا والمكسيك، فتصغي إليَّ بعد أن تضع تلفونها المحمول جانباً، وقبل ذلك كله طبعاً في عناقنا الحار، وقُبَلها الدافئة التي تمنحها بلا حساب.

- أنتَ أتممتَ مدة الحجر الصحي بعد عودتك من تايلاند، ما يعني أنك لستَ مصاباً بكوفيد -19؟

قالت بخجل وشفعتْ سؤالها بابتسامة طامعة في استمرار الحديث، إكمالاً لحديثنا في التلفون حتى ساعة متأخرة من الليل.

- إذا شملتني العدوى في هذه البلدة، فاشمليني بعطفك وحنانك!

وإذا كنتُ مصاباً فقبلة واحدة منك تجعلني أشفى في الحال! فنكهة قبلاتك ودفئها دواء ولقاح في آن واحد!

- لا حاجة لي بلقاح جامعة أوكسفورد، أو لقاح الشركات المتنافسة على صناعته وبيعه بعد اليوم، ما دامتْ قبلاتك تنهمر عليَّ مثل أمطار أكتوبر!

قلتُ لها وأنا أخلي مسافة متر واحد بيننا، في الحديقة التي أصبحت مأهولة أكثر فأكثر مع ارتفاع درجات الحرارة في يونيو، وكنتُ أرغب في مشاكستها لأستخرج من الأعماق لآلئها الدفينة، بما نشأتْ عليه في البيئة المسيحية من لطف وتودد.

الخجولة أكثر من اللزوم، تحني رأسها بعد الإنتهاء من كلامها، أو تتشاغل بما تناثر من شعرها في الرياح الخفيفة على الشاطىء، وتضع خصلتين منه وراء أذنيها. جعلني خَفَرُها أعتبار القبلة الأولى في الصقع النائي من محاسن دنياي!

- من أي بلد؟

- من بلد المأساة!

أسدلتْ جفنيها الرقيقين برموشهما الطويلة على عينيها الساحرتين، على الشاطىء حيث ترسو الباخرة وتسبح حواليها إوزّات بيضاء اللون، وتهدأ في حبالها العشرات من السفن الصغيرة لمالكيها النرويجيين، وليتها لم تسدلهما على آخر نظرة مؤسية نحرتْ ببرود ما كان يعتمل في خاطري، من أنْ تكون نظرتها بلسماً شافياً لِعللي. ففي الطقس البارد الممتد شهوراً طويلة، بما يتخلله من تساقط الثلوج، لابد من ملاذ يركنُ إليه المخلوع من تربته خلعاً، والمرمي على ثلوج بلد اللجوء النائي. ومددتُ يدي لألمس يدها الراقدة كحمامة بيضاء على الطاولة، وهي تمسك بقدح القهوة التي تحب ارتشاف اثنين أو ثلاثاً منها يوميا!

قبل حوالي أسبوعين طبختُ باميا على الطريقة العراقية، ورزاً تحول كالعادة إلى عجينة! يُصلحُ لصناعة الكُبَّة أكثر مما يُصلحُ لتقديمه مع الباميا! وأحلف بالسبعة الطِباق، أني لن أجيد طبخه حتى بعد ثمانية آلاف سنة!

ودعوتُ ليزا لتناول طعام الغداء في شقتي.

رفضتْ في أول الأمر، ولما وصفتُ لها بطولاتي الدون كيخوتية في الطبخ، واختيار صنف البهارات الملائم مع كل وجبة، وذلك ما يفضله النرويجيون في الطعام الشرقي، قبلتْ.

- أول مرة في حياتي أتناول مثل هذا الطعام، ما اسم الحساء؟

- باميا!

- إنه لذيذ جدا.

- سأدعوك مرة أخرى لتناوله .. قريبا!

بعد الطعام يأتي الحب وهما أقنومان، ورثتهما الفلسفة الغربية الحديثة عن الحضارة الرومانية.

كان الطقس ماطراً في مساء ذلك اليوم السعيد، ولاذ الناس بالمقاهي ومنها مقهى أسبرسو المطل على الشاطىء.

عينان زرقاوان تنعمان النظر في البحر الأزرق!

- هل ترين بين الأمواج سريراً أبيضَ طافياً؟!

مختصراً المسافة، مستهدياً السبيل من قاضي الأنكحة شيخنا النفزاوي، همستُ في أذنها أخبثَ سؤال، يمكن أن يوجهه الرجل إلى المرأة في أولى أيام التعارف بينهما.

صُدمتْ وأشاحتْ بعينيها إلى جهة الباخرة، التي لم تقلع إلى السويد منذ شهور بسبب الجائحة، وينتظر السكّان إقلاعها من جديد بفارغ الصبر. وزيادة في الإفصاح عن كل الرغبات الأبيقورية إلى حد جعل الضحية تستسلم، ما لبثتُ أنْ صدمتَها بعتابٍ ثانٍ

- نهداك يلعبان بمهجتي!

ثم خطرتْ ببالي فجأة ما قالته لي عشيقة بولونية، قبل عشر سنوات في أوسلو

- إذا أمطرت السماء في بولونيا يقول الرجل للمرأة التي تعرف عليها للتو

- آه .. إن ثيابك مبللة، هل نذهب إلى البيت لتنشيفها؟!

في المقهى بدا لي أن أخبار الكوارث تلاحقني أينما ذهبتُ!

جلس إلى طاولة على جهة اليمين رواد نرويجيون، يتحدثون عن تراجع عدد الاصابات بكورونا في بلدهم، وإلى الشمال لاجئون شبّان من سوريا، يتحدثون عن انفجار كيمياوي هائل وقع في مرفأ بيروت، وأدى إلى مقتل 135 شخصاً وتشريد خمسة آلاف! ربما يصل عدد منهم إلى النرويج للمعالجة أو طلب اللجوء أو كليهما. وها نحن بين طاولتيّ الحديث عن الجائحة والكوارث، ننعم في أول العهد بالحب، بأشعة شمس رائعة منذ الصباح الباكر، شملت المقهى والمتاجر المحيطة بها، والمارَّة في الشارع الضيق ذي البلاط الحجري المؤدي إلى شاطىء البحر.

- متى ما شفيتِ النرويجُ من كوفيد-19 نهائياً، وسمحتِ السلطات الصحية بالسفر إلى السويد، سأحجز لك طاولة في مطعم الباخرة الفاخر!

- صحيح؟

- أجل، وسوف نحتسي نخبك من النبيذ الأحمر!

- أنا لا أحتسي الخمور بأنواعها!

- مسيحية ولا تحتسين؟!

قلتُ ذلك مستغرباً ثم أردفتُ

- لكن المسيح وتلاميذه احتسوا النبيذ كما ورد في الأنجيل، وأول معجزة له أنه حَوَّلَ الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل، ووصف الخمر في آخر يوم أرضي له قائلاً

- هذا هو دمي!

- نعم لكني لا أحب الخمرة!

كانت أشعة الشمس تنعكس في عينيها سراباً بعيداً، وأنا الضالُّ في دروب العالم ما زلتُ أترنح من شدة السكر بين بياضهما وزرقتهما، وأقرأ ما بين السطور رغبة الأنثى العارمة في الاحتواء. رغبة إذا أخفقتْ عيناها في فضح سرِّها تمتمتْ بها شفتاها، في انطلاق وحرية تربى عليها الناس هنا خلال التنشئة الاجتماعية الصحيحة، يقولون إن لا شيء مثل ضمائرهم الحيّة، يميز الصح من الخطأ في حياتهم ومواقفهم، لذلك هم يقولون ما يعتقدون به بلا نفاق أو مواربة!

لا مالٌ أدَّخرُهُ ولا ذهبٌ أكنُزُهُ ولا عَقارٌ أفاخر به في هذه الدنيا الفانية، أنا حبة الرمل المنحدرة بقوة في نهر الزمن الجارف. بل يدٌ حانيةٌ راعيةٌ تنتشلني من وحدتي، وعينان زرقاوان دافئتان أذوب فيهما حد النسيان والتلاشي، هذا هو ما أبغيه في عزلتي الشمالية!

وبعد ذلك فليأتِ الطوفان!

8/8/2020

Sandefjord