حسين حربي 2

شقيقي المفقود في الحرب العراقية الإيرانية المشؤومة حسين حربي  إلى اليسار مع صديقيه سهيل وعلي خلال سفرة إلى بحيرة ساوة في مطلع العام 1981

رثاء أخي

خلا ناظري من طيفِهِ بعد شخصِه

فواعجباً للدهر فقداً على فقدِ؟!

البحتري


أكتبُ

تحت لساني تذوبُ مراراتُ الثلج النرويجي  :

الناس نيام.. الأرض حرامْ

لا وسطَ بين النيرانِ

وفوُّهةٍ مائلةٍ نحو بلاد الذبحِ

إذا ما اشتبكَ جنود بالبارود

وسموات الله انغلقتْ

بعكاكيز المبتورينَ

وروائح مدفونينَ إلى النصفِ!


صَبغَ (بسطاله) في صبح عاقرَ

لا يلد إلّا صبحاً عاقرَ

وتوجّهَ إلى حربٍ طائشةٍ

ما اللغة التي تناثر فيها دمك الغالي؟!

أين أقع على أثر منك يا حسين .. كنتُ أصيحُ!


إبن ثماني عشرة

والحربُ ابنة عامين كبيسين!

كيف أصفها؟!

الأيام المتدثرة برماد القتلى

لا تشبهها إلّا الأيام المتدثرة برماد القتلى!

والأشباحُ ذوات الأجواف المجروحة في أحلامي

عبرتْ حقل الألغامِ

وأنّتْ في الصحراء المهجورة على طاولتي!


تتجددُ هذ الدنيا الفانية في رأس السنة

تتطهر حتى الأنهار من الآثام

ولا يتطهر قلب الإنسان!


حملتْ مهج معها قرائنها

ورموزاً راودها الشك بجدوى العالم!


كان تعلمَ للتوِّ كتابة رسائلَ حبٍ

ويضع على أذنيهِ (راديو ترانزستور)

يابانياً ذا جلد أحمر

وتشهقُ روحه

إلى برج حمام في السطحِ

ليقبّلَ بنت الجيران


صعدَ

وطارَ

وحلَّقَ بأجنحةٍ

ثم توارى عن الأنظار!


قبله..بعده..ما أكثرهم؟!

من الأعماقِ إلى اليابسة

جنود مدافع اضطرمتْ فيهم نيرانْ

من الأعماق إلى اليابسة.


مشاة زحفتْ بهم الأقدارُ

مضطجعينَ على نقّالاتٍ

يبس الدمُّ عليها خرائط وشيفراتْ!


دروع

إنصهروا مع أبراج الدباباتِ

ثم حملتهم المديرية العامة للميرة إلى أكوام السكراب!


في (الخلفيات)

حسبوا أنْ ينجوا من الموتِ

جنود كيمياويون حسبوا أنْ لنْ يدركهم فانتفخوا

عادتْ لهم الريح

بغاز الخردل

والزومان

والزارين

وفساء جنود إيرانيين

شبعوا من الفستق واللوز!


لو يحمل صليبٌ أحمر

أزرق

أصفر

أو حتى (أغبر)

شيئاً من ذكراك!

يدقُّ جرس البابَ

يجفل قلبَ الأمّ

وينكسر الصبح بقدح الشاي!


إلى أرضك يا وطني

ليلاً ونهاراً

راقبتُ الأنهار الجارية من الكتب المقدسة

إلى أرضك يا وطني

علَّ غريقاً يطفو

من حرب سابقة وأقول : أخي

وصبرتُ على نموِّ الأشجار طويلاً

أتأمل في الخلقِ

قلتُ لعلَّ حسيناً ينمو مع الأغصان

فأعرفه من لون البشرة السمراء

أو من خاتم إصبعه الإسلامي!

زحزحتُ صخوراً من أرض النهرينِ

وجدتُ وجوه جنود ضاحكةً

أخرى صامتةً خجلى

سألني أحدهم إن كانت حرب الجبل

قد وضعت أوزارا

وعاد الأحياء إلى السهلِ!


فتشتُ النسمات العذبة

عن أنفاسك

سألتُ الأسرى

ممن عادوا من إيران بلا ذاكرة

مذهولينَ وتوابينَ

ونصف النصف

سألت رقيما طينياً

عمّا يمكن أن ينتهي به العالم في التقويم!

Norway

2000