_101551_m3

تأملات في الشعر
طارق حربي
 كل تأمل سابق على كتابة النص الشعري هو ألم وقلق على كتابة النص وفيه. ذلك أن الإستغراق في الحياة والتأمل فيها يكون متطلباً لكثير من الحب، والمجاهدة للوقوف على صورتها. كل انتهاء من كتابة نص جديد هو تبويب للألم، اللغة فيه وعاء، بها يغترف الشاعر من بحر الحياة الزاخر ويشكل أوهامه! كل شاعر ينزع إلى استباق نَصِّهِ بروحه شاعر يعيش في الألم الإنساني بتجرد النُّسّاك. وكل سهر حتى يطلع الصباح، من دون الظفر بنسق يضع الشاعر فيه تجربته وانفعالاته، ألم زمن يمضي بلا هوادة. كل ذهول لما يعتري الحياة من معاني جديدة في صيرورتها ألم، ينبغي أن يتمخَّضَ عن قصيدة قبل حلول ذهول جديد ويكون الألم مضاعفا. وعلى الشاعر ألّا ينتظر حتى يُعصَفَ بقلبه كل ذلك العصف. كل استحسان لفكرة في قصيدته مبعث ألم للشاعر، لأن الاستحسان وقوف والشعر يخطو إلى الأمام في اتجاه الحقيقة. كل ما ليس يصطاده الشاعر من الفاظ ومعاني، فيتلاشى ويصبح هو كالقابض على الجمر ألم محض، على الشاعر التفكير جدياً بإعادة المحاولة من جديد، لأنه أي الشاعر مقيم رؤى مدفوع بشغف لانظير له. كل عمل شعري إبداعي بِنْيَةٌ رآى فيها المبدع زمانه، تنطوي على ألم مَحَضَتْهُ يدٌ ليس لحظِّها من الغموض بأقل من حظ الحياة في غموضها وعنفوانها. كل معرفة بالوجود ألم -اذا استعرنا مواجد المتصوفة - يتسع ليشمل فضاء الكلمات الذي يشتغل عليه الشاعر. كل ما يدافع عنه الشاعر المبدع لكي تكون الحياة أجمل يضمر الألم، لأن الجمال ليس ميؤساً منه حتى نقف مكتوفي الأيدي أمام نقيضه. كل جلوس للشاعر على ضفة نهر الزمن المتدفق، فتمرُّ العصور كالأمواج من تحت سن قلمه، ألم يتزود من آلام شعراء تلك العصور وهم يقفون على سواحل أزمان مضتْ. كل حرف يسهر في محرابه الشاعر، يهدهده ويحنو عليه حتى يصب فيه رؤياه، ألم مستمر ما بقي الشاعر مخلصاً لشرط وجوده الإبداعي. كل خَيال ألم حتى يتماثل مع ما ينتظر منه الشاعر. كل سهر على ورقة بيضاء ألم حتى تَسوَدَّ من كثرة الجذب. كل روح تنفعل بالعالم من حولها، فتزهد بكل شيء الاّ الشعر، ألم يُطهِّرُ الروحَ أكثر مما ينتكس بها على أعقابها. كل قصيدة لا تزحزح قناعة راسخة في هذا العالم، ألم لم ينكتب وهذا هو أسوأ أنواعه، لأن القصيدة رؤيا تنتقل بالعالم خطوات في حقول الجمال البِكْر. كلما لاح فجر نص جديد، وانقلب الشاعر على فراشه، كما لو كان مغشياً عليه، ألم صحَّ في قول أي شيء عن الحب الخلّاق والنجوى والهُيام. كل تآخي يسعى إليه الشاعر بين الطبيعة والأفلاك والروح الإنساني ألم، لان الهُيامات التي في قلب الشاعر لابدَّ أن تكون معطوفة على ماقبلها من سورات الحب. كل ولادة لقصيدة جديدة مخاض وألم عسيران، لأن الشاعر امتثلت فيه دورة زمنية وأفلاك وأوتار وأرقام، وخفقات قلوب وأوهام وتبريرات دبرها ذهنه وعافها عقله.
NORWAY