dowe_hwena

الشعر في أزمة دائمة
طارق حربي
يعاني العالم العربي من مجموعة أزمات. هناك أزمة كبرى في غياب الديمقراطية، في الاقتصاد وبنية المجتمع العربي المبتلي بالأمّية. خلل في بناء المؤسسات والهوية الوطنية. غياب مشروعات التحديث. أزمة سكن وأزمة زحام ومرور وغيرها كثير. وبعد كل أزمة سياسية تعصف بالعالم العربي، تنطلق دعاوى موت الشعر أو أزمة الشعر أو موت الشاعر وتراجع الشعر إلى آخره. معلوم أن الذي صدّرَ الأزمات إلى المجتمع العربي هي أنظمته المستبدة. وساهم ضيق المساحة التي تتحرك فيها الثقافة العربية، في اتساع الهوة بين الشاعر والمتلقي، بل وكل أنواع التبادل الثقافي عدا الخطاب الرسمي. وفي ضوء تلك الأزمات يعتبر الشعر كذلك في أزمة دائمة، حيث لاتنوجد الحداثة لا في الأنظمة ولا في المؤسسات التي تنظم العلاقة مع مواطنيها، لكن تنوجد في مشروع الحداثة الشعرية العربية. فتقدم الشعر خطوات ليخلق له عالم الحلم، بعدما كفَّ عن تأدية وظيفته في الحياة العامة. وأصبحت قصيدة النثر كمشروع تأويلي أبرز ما وصلت إليه الحداثة العربية في زماننا. لعل الأمية المنتشرة في العالم العربي أحد اسباب فقدان الشعر لجمهوره التقليدي أي سلطته، الذي تربى على موسيقى الشعر حينما حمل العمود لغة التعبير السائدة، فحمل تاريخاً كاملاً من الحياة العربية الفكرية، ما يمكن توصيفه في زماننا بالإعلام. لاشك طرح الشعر منذ أكثر من خمسين عاماً الكثير من الأسئلة : عن السياسة والحياة والوجود والحب وغيرها، وكفَّ أن يكون إعلاماً وأخذ يتمثل النفس البشرية في أعمق توتراتها وتقلباتها. كما اشتغل على تنمية الحس الجمالي بالأشياء والعالم، وأخذ اللغة إلى المناطق البكر والقصية في الوعي الإنساني، في الانزياح والانحراف عن سطح اللغة وعمقها، لإضفاء المزيد من التوتر والتشتيت بين الأشطر عبر الفضاء الصوتي للغة، باعتبارها حقلاً من الرموز والعلامات. وما زادها غنى هو تداخل الفنون الأخرى مع الشعر، الذي انفتح على المعرفة من خلال قصيدة النثر، فتمثلها وأعاد انتاجها وخضع لتأويلاتها. تكتب قصيدة التفعيلة في عصرنا وقصيدة النثر، وربما تتعالى أصوات هنا وهناك بالعودة إلى العمود، كما تنبأت نازل الملائكة بالعودة إلى عمود الشعر في الستينيات من القرن الماضي، وكانت قصيدة النثر تتلمس طريقها عبر مجلة شعر بعد الاطلاع على الشعر العالمي. وإذا كان مصطلح (زمن الرواية) يجد له رصيداً في أرض الواقع، والرواية بنت المدينة وتستلهم الحضارة والفنون ومنجزات العصور، فذلك لا يعني أن الشعر أخلى مواقعه وانهزم! بل بالعكس فهو ما يزال صوت المنابع الأولى في الأعماق الإنسانية. إن موت الشعر أو قصوره بعد مزاحمة الفنون الأخرى له، ودخول الصورة في المجال الحيوي للحياة الإنسانية، وإطلاق حزم من الطاقة المعرفية في فضاء الكتابة الإبداعية، وتغير الصورة النمطية للسماع العربي والذائقة، كل ذلك يثير جملة من التساؤلات حول تراجع الشعر وتقهقره. لكن الشعر في عصوره وقبل تسيد الصورة والإلكترون، مر كذلك بعصور البخار والميكانيك والثورة الصناعية والحروب الكونية، مع ذلك بقيت منابع الشِّعْرِيَّةِ واحدة طالما بقي المبدع نفسه، ولم تقض على أحلامه تبدل الأزمنة وصعود حظوظ المخترعات والمكتشفات، فيما استمر قلق الشاعر الإبداعي وليس المرضي بمعنى البحث الدائم عن الجمال وتخليق الرؤيا. إن انطلاق لغة الشعر من اللاوعي والمجاز، الايقاعات الداخلية وتعدد المستويات اللغوية داخل الخطاب الشعري، التمثلات الجمالية في المفارقات الاستعارية والتوتر البنائي والترميز والكنايات وغيرها، ما يحرره من مقولة موت الشعر، وقد أحيا روح الشعر دائماً آباؤه الحداثويون، الذين قتلوا آباءهم بدم بارد لكي يبقوا على روح التجديد مستمرة عبر العصور. فالشعر ينوجد بوجود منابع الشعرية وهي الإنسان، وكانت أطلقت دعاوى عبر التأريخ قالت بموت الشعر أو عجزه، لكن نهوضه العنقاوي من بين رماد العصور أكد أهميته للحياة وتذوقها والمعيش فيها. إذا كانت الصورة وطرق إيصالها الفريدة وهي بنت زماننا وعصرنا، قد أوجزت الأحداث (العربية مثلا) ونقلتها بدقة وسرعة، فإن ذلك لا يعني بالمرة انتكاسة الشعر وتقهقر الروح الإنسانية المبدعة، إذا ماقدم رؤيا جديدة للعالم بشتى الأشكال والايقاعات. ونفر من الآيديولوجيات التي صَنَّمَتْ الكثير من الشعراء العرب. وأبعدت المؤسسات أجيال التجديد والمغامرة والشباب. أقرأ عمر الخيام (جئت من الماء وأذهب مع الريح) وأتلمس أصداءً في انزياح هذا الشطر الشعري، يكتبه شاعر حداثي ويعيد صياغته وتشكيله وفق ثقافته وموهبته. فتكون السلسلة متصلة بين الماضي والحاضر بما يُعلي دور الشعر، وقيمته المعنوية والجمالية في الحياة الإنسانية. ولا يهمني كثيراً أن يكون الشعر قصيدة نثر أو تفعيلة أو عمود، بقدر ما تهمني حداثة النص واستلهامه لروح عصره وتعبيره عنه وخلقه لمعجزته الإبداعية، ما يعيد إلى الأذهان - في الحكم على النص - ضروب ابن قتيبه الأربعة في جودة الشعر التي ما تزال حتى اليوم تستخدم في توصيف أزمة الشعر. بقي محمود درويش إلى آخر حياته يكتب دواوينه الشعرية على بحر الكامل والرجز والمتقارب وغيرها، لكن بروح حداثية مستلهماً كل تقنيات عصره، ذائبة بأداء كورالي مبهر، ما يجعل الموسيقى تصدح في أناشيد نرى فيها صورتنا عالية في المدارات. إن مثل هذا الشعر لن يموت ولن يتقهقر أمام شاشة الكومبيوتر، وكذلك أدونيس – لا أقصد فينيقياته التي تتماشى مع الخطاب العروبي - لكن قصائده النثرية المحتفية بالحياة والجمال والطبيعة والمرأة. ومثلهما الماغوط وعيسى مخلوف ووديع سعادة وبركات وغيرهم من شعراء الحداثة العربية. ربما يكون الشعر فقد بعضاً من مواقعه، فهو في أزمة وقلق وصيرورة دائمة. وحلت الصورة ووسائل الاتصال محل اللغة، لكن هل تستطيع الصورة الذهاب إلى أبعد من الخيال الإنساني بواقعيتها؟ وهل ستغير علاقتنا بالشعر وتكون هي ومنجزاتها وتقنياتها، تعويضاً عن تمثيل الصوت القادم من أعماق الإنسان وشاعريته وارتسامات أحلامه!؟
لا أعتقد ذلك!
 أوسلو 18/5/2009
* خاص بمجلة ملامح الشعرية (تصدر