الشاعر والكاتب طارق حربي في حوار عن العراق والشعر والمنفى
أجرته نور القيسي

كثيرون هم العراقيون الذين ملأوا المنافي في بقاع الارض المختلفة، بسبب الحروب الدونكيشوتية للنظام المقبور التي حصدت أرواح مئات الآلاف من شباب العراق، أو ممن هربوا من غياهب سجونه التي حفظت في حيطانها وذاكرتها أسماء ووجوه من مروا بها، سواء إلى مثواهم الاخير في المقابر الجماعية، أو ممن حالفهم الحظ ليتركوها الى فرصة جديدة من الحياة، ليجدوا أنفسهم خارج أسوار الوطن المستباح بعد الانتفاضة الشعبانية سنة 1991 ، فتتلقفهم غربة أمرّ من غربتهم داخل الوطن .
الشاعر والكاتب والصحفي طارق حربي أحد مثقفي العراق الذين تركوا الوطن في دائرة الاتهام بعد احداث الانتفاضة، ليتخذ من رمال وقيظ صحراء رفحاء السعودية، محطة لقطاره الذي سينطلق بعد ثلاث سنوات بعيدا إلى حقول الجليد النرويجي، هناك حيث افترش بساط أسفاره كمستقر دائم له، ملتحفا الجليد في رحلة لازالت مستمرة منذ أكثر من سبعة عشر سنة، ظل فيها العراق والناصرية حاضرين في ذاكرته المنفية على الدوام، يتفاعل معهما كل يوم وساعة ودقيقة من خلال موقعه الإلكتروني الرائع سومريون.نت، يؤانسه في وحشة غربته، ويتسقط من خلاله أخبار الوطن كل حين، ولعله يتابع ما يدور في العراق من دقائق الامور أكثر من كثير من عراقيي الداخل، من ملَّ صراعات الكراسي وصمّ أذنيه عن أصوات الانفجارات، وسخر من أحلام الارهابيين مغسولي الدماغ الذين حلموا ومازالوا بجنات خلد تملأها حور العين!، ليلاقوا ربهم وقد تلطخت أيديهم بدماء الابرياء من بنات وأبناء العراق .
نحاول في هذه الحوار استدراج الشاعر طارق حربي ليبوح لنا بما احتفظت به ذاكرته من محطات المنافي وأوجاع السنين :

* هناك الكثير من العراقيين وأعني بالكثير هنا المثقفين وليس عامة عراقيي الخارج، الذين اختاروا المنافي سكنا لهم وتركوا الوطن في دائرة الاتهام … ماهي ظروف تركك للوطن ؟
– كان السبب المباشر لمغادرتي الوطن (مع أربعة من الأشقاء)، هو انتكاسة انتفاضة آذار الخالدة 1991 ، ولم يكن ممكنا حينذاك البقاء في الناصرية، فنزحنا مع آلاف النازحين إلى مدينة سفوان الجنوبية، وبعد نحو ثلاثة أسابيع حملتنا طائرات سلاح الجو الأمريكي من هناك إلى مخيم رفحاء الصحراوي بالمملكة العربية السعودية، وأقمنا في فندق (الخمس نجوم!) نحو ثلاث سنين مع ثلاثين الف لاجىء، قبل أن يقرر مكتب الأمم المتحدة في المخيم إعادة توطيننا في مملكة النرويج.
ولم يكن لشطر من قصيدة بريخت “لا تـدق مسماراً في حائط لا تعلـق صورة على جدار فإنـك في غـد عائـد” رصيد في أرض الواقع السياسي العراقي، بعدما أطال (محررنا) في تسعينيات القرن الماضي، ولحسابات إقليمية ودولية معروفة، من عمر الطاغية ونظامه، فدققنا مسامير بقائنا وعلقنا صور العراق وآبائنا، ومقاطع شعرية مرسومة بجماليات الحروفية العربية.
المثقفون والكتاب والفنانون والمفكرون والكفاءات، وكنتيجة طبيعية لتقاطعهم الفكري والاخلاقي مع نظام الطغيان، كانوا من بين ملايين العراقيين الذين شردوا خلال عقود التسلط والقمع، وشهد العراق موجة هجرة كبيرة بعد غزو الكويت وفرض الحصار في التسعينيات، وأظن أن هناك مئات الآلاف من العراقيين اليوم وبمختلف الأعمار، مازالوا يبحثون عن فرصة لمغادرة العراق نهائيا، بعد سيطرة الاسلام السياسي على الحكم، وتنفيذ أجنداته الطائفية والاقصائية.
أرجح أن العراق – في المدى المنظور على الأقل – لن يصل إلى مرحلة الاستقرار السياسي، تكفي لكي يستتب الأمن والأمان، ويتخلى المواطن عن فكرة الهجرة إلى أرض الله الواسعة.

* ما هو معنى الغربة في (خواطرك وشعرك وقلمك ودفترك الخاص) وهل تخيلت يوما أن الاغتراب سيكون له محطة في حياتك؟
– تمت التمارين الأولى على الغربة عن الناصرية خلال الخدمة العسكرية (4 سنوات)، ثم في شرق البصرة كجندي احتياط : من ألف الحرب إلى كيميائها إلى مأساتها إلى يائها (8 سنوات)، وبعدما وضعت أوزارها (تولتني بالرضاعة يد السوافي) في رفحاء، على حد تعبير الشاعر الراحل مصطفى جمال الدين، في قصيدته الشهيرة يقضان (نسبة إلى حفيده الذي ولد في مخيمنا حينذاك)، ومن غربة في الوطن إلى غربة الموت الزؤام على حدوده مع إيران، إلى لظى الرمال في رفحاء (ثلاث سنوات)، إلى حقول الجليد (17سنة)، رحلة صحارى وعزلة وقارات ساخنة، أو ميتة من البرد وشموس غائبة طوال العام، حتى (كدنا في المنافي ننسى لغات امهاتنا) كما كتب الشاعر الألماني هولدرلن.
ولطالما شعرت أنني مواطن بلاناصرية في أوسلو : غريب الوجه واليد واللسان، ليس لأن عاصمة النرويج لايمكن عدها إلا قرية متواضعة من قرى المانيا مثلا أو فرنسا، حيث تغلق أبواب محالها التجارية في المساء، ويجتاحها شبح الظلام والبرد والوحشة، حتى يكون من الخطأ اطلاق صفة عاصمة أوروبية عليها، وتصبح الأجزاء الحيّة المتبقية في جسدها، هي محطة القطار وعيادة الطبيب الخفر وعدد قليل من المقاهي والبارات نصف المضاءة، أما المنطقة التي أقيم فيها هنا في ضواحي أوسلو، فلايكاد يمر في شارعها الرئيس المغطى بالجليد طوال العام تقريبا، أكثر من شخص أو اثنين كل ساعتين أوثلاثة!
لكن أي مدينة تحتوي قلب الشاعر وتسكّن أوجاعه الكونية!؟
وهل تحتويه مدينة في هذا العالم، أم هو من يحتوي المدن ويضمها تحت جناحيه، خلال تحليقه أو جلوسه على محور الكون – بحسب أرشيبالد مكليش – ليتأمل في الأشياء من حوله!؟.
نعم تخيلت يوما أن يكون الاغتراب إحدى محطات حياتي، وكم رددت شطرا شعريا حفظته للشاعر الالماني غوته حينذاك (الهرب..الهرب..من هذه البؤرة..ولتنطلق في فسيح الأرض!)، فقد كان انعدام شروط المعيش سواء في الناصرية أو العراق، سحق آدمية المواطن (بعث/شرطة سرية/حروب/جيش شعبي/ تقارير/حصار اقتصادي/ كراهية الناصرية المتبادلة مع المركز/عدم الاهتمام بها وإعمارها) زائدا مشكلة الفقر، جعل حلم الهجرة من العراق منذ وقت مبكر يداعب مخيلتي، وكان حلما ترامى خارج أسوار القفص ليعبر المحطات دون توقف، بعدما أكل اليأس والفقر والحروب – وبلا معنى- جزءا عزيزا من حياتي!

* هل النرويج – إقامتك الحالية – محض اختيارك أم الصدفة وحدها من قادتك إلى هذا البلد الاوربي النائي، المغطى بالثلوج أغلب أيام السنة، وكيف تزاوج بالسلوك بين طارق حربي الجنوبي وبين ثقافة الغرب وسلوكه .. وماذا اضافت لك الجنسية الاوربية كانسان؟
– دعيني أبدا من نهاية السؤال فأنا أخرج جنسيتي (هوية الأحوال المدنية) بين وقت وآخر لكي أتأمل فيها، مستعيدا من خلالها زمانا مفقودا، ومكانا آيلا للسقوط باستمرار في الذاكرة المنفية، جنسية طحنتها سرف الدبابات والحروب الصدامية طحنا، بحيث لم تعد لها أية قيمة، سواء على الحدود أو محطات السفر، المطارات أو نقاط التفتيش!!
وذكرت في أحد فصول كتابي (جمهورية رفحاء) أنني خرجت من حطام العراق بدينار وربع الدينار وهوية الأحوال المدنية لاغير!، فيما كان بيننا نازحون مصريون حملوا معهم الذهب والدولار والدينار، ويمكن تشبيه حالي وأي مواطن عراقي بحال أهل الكهف، الذين خرجوا بعد مئات السنين، ولم يجدوا قيمة شرائية لقطع النقود التي كانت في حوزتهم!
أما الجنسية النرويجية فيدعمها دستور دائم وعادل يتساوى أمامه جميع المواطنين نرويجيين وأجانب، وبما يشعر حامل الجنسية بمسؤولية المؤسسات عنه إنسانا ومواطنا، ومن الطبيعي أن يضيف اكتسابها الاحساس بأنني مواطن مُنح حرية كانت مفقودة، وأمانا كان ينتهك بسهولة في أجواء الحروب والدولة البوليسية، ورخص قيمة الانسان في بلادنا .
لكن أنا في النرويج منذ سبتمبر /1993 غريب الوجه واليد واللسان، والذي اختارني لها هو مكتب الأمم المتحدة في مخيم رفحاء لاأنا، يعني حظ يانصيب!، وكنت أرضى – نظرا للمعاملة الوحشية واللاإنسانية التي تلقيناها على أيدي مضيفينا المسلمين السعوديين!!- بإعادة التوطين في أي بلد يحفظ لي وأشقائي آدميتنا ويشعرنا بالأمان، ونتنعم فيه بالحرية والرفاهية.
وكانت النرويج منفى أبديا.

* كيف تقيم الوضع الثقافي الراهن ومامدى قدرة شريحة المثقفين على التغيير في انماط وسلوك المجتمع!؟ وهل هناك اغتراب بين المثقف والمجتمع حسب تصورك؟
– تعرض المشهد الثقافي العراقي بعد التغيير (2003) إلى هزات عنيفة، فقد تعرضت المؤسسات العلمية والثقافية وتأريخ العراق للتخريب والتدمير المنظم، المتحف الوطني والمكتبات والمعاهد الموسيقية والمسارح ودور السينما، مراكز التوثيق والمباني التأريخية والمواقع الأثرية وكل ماله صلة بثقافة البلد وحضارته وتاريخه، وبلغة منظمة اليونسكو “مُحيت ذاكرات ودمرت هويات ثقافية!”.
في المقابل انفتحت آفاق جديدة للعراقيين بعد عقود طويلة من العزلة عن العالم، وكانت حرية الرأي والتعبير والنشر والكتابة، لكننا أصبحنا بأزاء وزارة ثقافة كسيحة استباحتها المحاصصة الطائفية والحزبية، ورأسها ضابط شرطة مرة وإمام جامع تارة!، فلم يُشتغل على مشروع ثقافي نهضوي يعيد تشكيل معالم الثقافة والهوية الوطنية العراقية، وفيما أهملت السلطتان التشريعية والتنفيذية – المؤلفتان من أحزاب حكمت العراق أصلا بدون مشروع وطني – حقل الثقافة، لم تصدر تشريعات تنهض بمسؤولياتها وتفعل دورها الحاسم، وسمحت الأحزاب والحكومة بإقامة تجمعات ومنظمات طائفية، بديلة عن المؤسسات والنوادي والجمعيات والمراكز، مولتها من خزينة العراق المنهوبة.
إن النهوض الوطني الشامل بواقع الثقافة يستدعي وضع استراتيجيات طويلة الأمد، تساهم فيها الحكومات عبر تخصيص الأموال اللازمة، وليس الانشغال بإصدار قرارات مضحكة تمس حرية المواطنين، مثل ارتداء الحجاب والحلاقة وعدم خلط الخيار والطماطة في ماعون الزلاطة!، أو منع بيع الخمور وتناولها كما فعل مجلسا محافظة ذي قار والبصرة مؤخرا!
ولاشك أن النخب المثقفة لاتستطيع النهوض لوحدها بمهمة تفعيل مشروع الثقافة وقيادة عملية التغيير الواسعة، دون عمل مؤسساتي ملزم ومنظم، تتبناه وتموله الحكومات المحلية والاتحادية، إن الثقافة العراقية ولكي تنهض وسط الخراب الشامل متمثلا بستة ملايين أمي، في الأجواء الأسطورية والدينية وانتشار الخرافات وغيرها، تتطلب قيام مشروعها باجتثاث الثقافة الفاشية أولا وتأثيراتها وأبعادها، وإعادة بناء المؤسسات الثقافية، التي لاتقل أهمية عن بناء المشاريع الخدمية مثل الكهرباء والماء والطرق والجسور والبنى التحتية.

*هل يتاثر الشاعر بالغربة إيجابا أم سلبا؟ وهل يشعر بالانسلاخ عن جذوره في الغربة أم أنه يحاول الالتصاق أكثر بالوطن الام، وما مدى تاثيرها في تكوين المفردة الشعرية في قصائده ومحاور هذه القصائد ؟
– تعتبر ظاهرة الاغتراب قديمة قدم نشوء المجتمعات البشرية وظهور الأزمات فيها، ويشير العديد من الباحثين إلى صورة مؤثرة في المخيال الديني تجمع بين (اللغة والفردوس والمنفى)، فقد خلق الله آدم (…وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا..البقرة 31) ، ليمسي – بعد ارتكاب الخطيئة – طريدا ومنفيا ، باللغة التي سيكتشف بها العالم ويبدأ التأريخ.
لاشك أن المنفى يشكل ذروة الاغتراب الروحي والوجداني، فعدم ثبات الارض تحت قدمي المنفي يولد تصدعا مستمرا لهويته، وصعوبة في تأقلمه مع الواقع الجديد، أما الشاعر فيشعر فيه بوحدانية وانكشاف مستمرين، تعيده إلى النقطة الأولى أي حينما تصبح اللغة وطنا افتراضيا، ويبدأ بالاشتغال عليها والتأمل فيها، بحثا عن أجوبة شافية لأسئلة الحياة والسياسة والحب والوطن والمنفى وغيرها .
معلوم أن مصطلحات الاغتراب والشتات والنزوح والتشرد، والمنفى بما يفرضه من شروط قسرية : الزمان والمكان، لها صدى في الآداب العالمية، أوديب الذي حكمت عليه الآلهة بالنفي والتيه عن مملكته، ولانعدم موضوعات الحنين والعودة إلى الوطن في الآداب الرافدينية والفرعونية، ثمة غربة أمرىء القيس والمعري والمتنبي وأبو فراس الحمداني، وفي مطلع القرن العشرين هناك أدب المهجر الذي شكل علامة بارزة وتجديدية في الأدب العربي، وهناك الأدب الأوروبي المنفي بين الحربين الكونيتين وصعود الأنظمة الشمولية، ومنفى أدباء أمريكا اللاتينية وغيرها.
في الواقع يشكل الشعر العراقي المهاجر ظاهرة ملفتة، بدأت منذ منتصف القرن التاسع عشر مع عبد الغفار الأخرس وعبد الغني الجميل الشاعر ومفتي بغداد، وثورته ضد الوالي العثماني سنة 1832 ، ودفاع الشاعر الأخرس عنه حيث يقول: لقد طفت في شرق البلاد وغربها وقاسيت في أسفارها كل شدة، وهناك الشاعر عبد المحسن الكاظمي المعروف بمنفاه الاختياري إلى مصر سنة (1911)، خوفا من السلطات العثمانية إلى أن توفي فيها.
ويشهد أدب المنفى صراعا بين هويتين ووجودين انسانيين، إنه أدب أضيف إليه المنفى كمحمول ويغطي الأجناس الأدبية كلها، وبين اللغة والمكان يتأرجح أدب المنفى ويكتب أسطورته، وقد يكون المنفى في داخل الوطن نفسه حيث يميل الشاعر والكاتب إلى الانكفاء على ذاته، ولايعدم وجود مبدعين عراقيين، كتبوا نصوصا يمكن اعتبارها منفية رغم أنه يعيشون في بلادهم!؟، ومثلهم من كتبوا نصوصا يحاكون فيها وطنهم فيما هم منفيون عنه!؟
وفي السياق الانطولوجي للمنفى نراه يحرر الطاقة الانسانية على الكتابة والفعل، ويسهل طريق الوثوب والابداع ويجعل النفس تواقة، بعدما تواشجت فيها جملة قضايا : تجاوز الذات وتحررها ووقوفها على جبل مطهرها، وتوفر شرط الحرية كأحد شروط الابداع بالابتعاد عن عيون الرقيب ومقصه، ومن الطبيعي أن تتأثر كتابتي شعرا ونثرا بمضامين النفي في أفق الوعي الجديد، وتكون المفردة والشطر الشعريين معمدة بالتجارب الجديدة، بعد مراحل طويلة من الاحتكاك بثقافة الآخر والقراءات والتجارب وممارسة الحرية.

* هل تحلم بالعودة يوما الى أرض منحتك الانتماء والهوية رغم انك في أرض منحتك الامان ولم تمنحك الهوية!؟، فانت لازلت عراقيا ولايمكن أن تكون طارق حربي النرويجي!!؟
لاشك أن الفضاء البيني الذي يجد المنفيُّ نفسه فيه، بعدما وسمت تجربة المنفى حياته وأصبحت مرتكزا لها، يعزز الاحساس بالغربة عن المكان والهجرة الدائمة، وهكذا يجد نفسه بين أرضين غير مستقرتين، تحملان كل دلالات الهجرة القسرية وتحولاتها.
فالأولى هي أرض الوطن المستعادة عبر الذاكرة واللغة، والثانية هي أرض المنفى التي يصعب التلاؤم معها، والتعاطي معها أو أن يكون مقلدا لثقافتها في جدلية استلاب الهوية، التي كفت أن تكون مغلقة على نفسها، بل انفتحت على هويات وثقافات مغايرة وتصادمت معها، من جهة ثانية لم يعد المنفى منفى بعد تقدم وسائل الاتصال في عصرنا، فقد ضمته العولمة مع الوطن تحت جناحيها، ففي الحالة العراقية كان السبب الأول للنفي هو نظام الطغيان وسقط في مزبلة التأريخ، ولم يعد الوطن ذلك المكان المتخيل الذي يصعب الذهاب إليه والعودة منه، فقد غادر الكثير من كتابنا ومواطنينا إلى الوطن بعد سنة 2003 خاصة، أضف إلى ذلك ماتتيحه وسائل الاتصال (انترنت/ فضائيات/ وسائل نشر سريعة/ دردشة إلكترونية) من ارتباط افتراضي بالوطن البعيد القريب.
من جهة ثانية يجمع المنفى النقيضين : فهو مطلوب كجهة للخلاص من أحوال سياسية أو اقتصادية، صعبة وكارثية، لكن تكتب فيه الشكوى سواء من خلال الاعمال الأدبية أو الرسائل بين الناس العاديين، والمنفى تجربة وجودية شديدة التعقيد يعاني فيها المنفي من استلاب هويته وتقييدها، وكانت تشكلت من خلال محطات الاقتلاع والتيه والهجرة والرحيل.
لايمكن لي أن أكون مواطنا نرويجيا يوما ما، أوربيا أو أمريكيا أو غير ذلك فـ (أنا الـعـراق لســاني قـلــبــه ودمـــي. فــراتـــه وكـــيــــانـــي مــنه أشطارُ/ الجواهري)، وأتذكر دائما إجابة الروائي جيمس جويس على سؤال وجه إليه، خلال غربته الطويلة في أوروبا، إن كان يتوق إلى العودة إلى إيرلندا فقال : ومتى تركتها!؟
لكن جل ماأخشاه بعد العودة إلى العراق أن أكون غريبا في المكان الغريب!

* اين يجد طارق حربي المثقف نفسه في الشعر أم في الصحافة أم في أتون السياسة !؟، وماهو رأيك في تقسيم الأدب العراقي إلى أدب الداخل وأدب الخارج ؟
أجد نفسي في الشعر والصحافة والسياسة وكتابة رسالة إلى صديق، وتعليق في (الفيسبوك) أو على نص أدبي مهم في أحد مواقع (الانترنت)، وسواها من النشاطات التي يمكن أن يتحقق فيها شيء من الذات، ويترجم شعلة الحماس للجمال والابداع.
وجدتني بعد سنة 2003 أقرب إلى كتابة المقال منه إلى كتابة الشعر، ولايعني ذلك التخلي عنه نهائيا ونشره بين وقت وآخر، لكن الأوضاع الراهنة التي تشهدها بلادنا أحدثت هزة عنيفة، سواء على المستوى الشخصي في التعاطي مع القضية العراقية، أم على مستوى الكتابة، فوجدت أن التصدي لنظام الطغيان، قبل التغيير وبعده بكتابة المقال السياسي، والتنبيه للمخاطر الجدية التي تحيق بالعراق، أكثر فاعلية من كتابة الشعر بكل أنواعه وأبعد تأثيرا.
ليس لأن وظيفة الشعر – في عصرنا – ماعادت حماسية تؤلب الجمهور لأغراض عصبية، كما في الشعر العربي القديم حيث يعد الشاعر صوت القبيلة، بما يعادل في عصرنا بث قناة فضائية!، بل إننا في ذروة المأساة العراقية، أحوج مانكون إلى مواجهة عدو شرس ومخططات ارهابية، إذ مافائدة كتابة قصيدة في الوقت الذي يقتل فيه العراقيون بالجملة، في الشوارع والأسواق والأماكن العامة خلال العمليات الارهابية!؟
دعيني هنا أحيي الكثير من المواطنات والمواطنين العراقيين من خارج الوسط الأدبي، فقد أتاحت ثورة الاتصالات والمعلومات للكثيرين منهم، أن يعبروا عن آرائهم بصراحة تامة، ويكتبوا في مواقع (الانترنت) مقالات وتعليقات، عززت الجهد الوطني للتصدي للارهاب والوقوف مع بناء الدولة الجديدة، ناهيك بفضح الفساد والمفسدين ونقد مراحل البناء الجديد.
من جهة ثانية فإن تجزئة الأدب العراقي إلى “أدب داخل” و “أدب خارج”، أي أدب سلطة وأدب معارضة وهو مااختلقه النظام البائد، يحمل الكثير من علامات الاستفهام، فهل أن من تجاوز حدود العراق وواصل الكتابة من مغتربه يوصف بأنه (أدب خارج!)، ومن بقي في العراق وأبدع يوصف بأنه (أدب داخل)، أم أن هنالك سمات جمالية متراكمة ذات ملامح مشتركة لهذا النوع من الأدب، يمكن أن تعني شيئا للنقاد والدارسين!؟
في إطار ثقافة عراقية مهاجرة، يشكل الأدب العراقي المكتوب في الخارج، بما أتيح له من الحرية والانعتاق من سلطة الرقيب، جزءا حيويا من بنية الأدب العراقي، لحمله دلالات الاضطهاد والقهر بمعنى أنه أدب قضية يحمل هما عراقيا، فالكاتب الذي ولد في العراق ثم اضطرته الظروف السياسية إلى الاغتراب والمنفى وواصل الكتابة من هناك، فهذا يعني أن دوافع الكتابة متصلة مع تغير المكان، ولافرق بين مكان وآخر فالابداع يتجاوز الحدود.
وحينما يغادر الشاعر وطنه إلى دولة مجاورة : مخيم أو عاصمة، وبعدما يسترد أنفاسه فيها ويرى إلى وطنه من بعيد، سيكتشف في هامش الحرية المتاحة له، زيف الثقافة الفاشية التي عاش ضمن آلياتها الرهيبة، ونلاحظ بعد التغيير أن الأحزاب الدينية ورثت بامتياز آليات تلك الثقافة وأعادت إنتاجها، فخوفا من المفخخات والكواتم والاغتيالات خشي الكثير من الكتاب والمواطنين العاديين، نقد الحكومات المحلية والاتحادية والأحزاب والشخصيات وتناول ملفات الفساد، ولجأوا إلى الكتابة بأسماء مستعارة، وكان آخر ضحايا حرية التعبير عن الرأي هو الشهيد سردشت عثمان (حلاج كردستان) الذي قتل بسبب نقده اللاذع لفساد الحكومة الكردية، ولدينا قوائم بأسماء المئات من شهداء الصحافة العراقية.
أرجح أن أدب المنفى سيشهد الكثير من التحولات في العراق الجديد، أهمها تخطي التصنيفات وأن يكون بمواجهة أقداره الوطنية.
وعدا أن الأدباء العراقيين الذين عاشوا زمانين ومكانين هم في إبداع متصل، بما اكتسبوا من تجارب وعرفوا من ثقافات ساهمت في التعزيز النوعي لانتاجهم، فإن الأدب العراقي وجد نفسه دائما موحدا أزاء القضايا الوطنية الملحة، مقابل الانقسامات والتشرذم الذي وسم مسيرة الأحزاب الآيديولوجية قبل التغيير وبعده..

* تركت الحروب تاثيرها في نفسية الشاعر وسادت مفردة الرصاصة والدم، واتسمت لغة الشاعر بلغة الحروب وتلونت بها، فيما أصيبت المفردة الغزلية بالانتكاس، هل تاثرت لغة الشاعر بهذا التلون أم أن أوربا وجمالها تركت تاثيرا ما في لغة طارق حربي الشعرية ؟
– خرجت من العراق بعد اثني عشر عاما قضيتها في الخدمة العسكرية : ثمانية منها في الحرب المجنونة كما ذكرت، وخرج معي نصي الشعري المحمل بأصوات المدافع وصافرات الانذار وسيارات الاسعاف، استغاثات الجنود ونفاق العريف وتملق رأس عرفاء الوحدة لآمر السرية للحصول على إجازة (جمعة وخميس) ، صور من المعركة وقبور بلا شواهد وجثث نصف مدفونة، بقي منها قطعة قماش ظاهر من بزتها العسكرية فوق التراب وبقعة دهنية لاغير، وقد لايجد الشاعر في لحظات المواجهة المصيرية مع الموت إلا وجه الحبيبة يستحضره ويحاوره، في دلالة واضحة على استمرارية الحياة والوقوف بوجه الموت البشع، وفي الأفق المضمخ بالدم والدخان لابد أن تحمل المفردة والشطر الشعري مضامين الفجائعية، وتتراجع المفردة الغزلية، مع أن الشعر الغزلي أكثر خلودا في تاريخ الأدب من ملاحم الحروب والموت والدمار، لكن هذا لايعني أنني توقفت عند عتبة نص الحرب أو ماساة مخيم رفحاء أو مضامين النفي والاغتراب، فقد كتبت العديد من نصوص الحب والغزل موزعة على مجاميعي الشعرية، بينها على سبيل المثال لاالحصر (قصيدة حب عراقية) و(يابنات النرويج) و (على الفرات) و (ليدوم حبهما طويلا) وغيرها.

* بم يحلم طارق حربي وماهي أمانيه ؟
– لاأمنية تتقدم على أمنية استقرار الأوضاع السياسية في بلدي، وتنعم الشعب بالسلام والأمان والرفاهية، وبناء المؤسسات الدستورية والديمقراطية، وتشريع قوانين تدعم المرأة والطفل والثقافة والبيئة والمجتمع المدني وغيرها، واستثمار الثروات الوطنية وتوزيعها توزيعا عادلا بما يكفل انهاء الفقر وتخفيف الاحتقان بين مكونات الشعب، وكم وددت لو أن الخارجية العراقية اشتغلت، وغيرها من مؤسسات الدولة المعنية، على تغيير صورة العراق السلبية في الخارج، التي عمل النظام الطاغي ثم قوى الشر والظلام والرذيلة من بعده على طمسها وتشويهها، كم تمنيت أن لاتكون لكلمة (عراق) دلالات الحروب والفقر والتخلف والعدوانية، لكن البلد المسالم الباني للحضارة الجديدة المساهم في تعزيز الأمن والسلام في المنطقة والعالم.
أما أحلامي الشخصية فهي العودة إلى وطني بعد طول اغتراب والعيش فيه عيشا كريما، وممارسة لذة الكتابة فيه وإليه، وأن أقوم بطباعة كتبي (النثرية والشعرية والمترجمة عن اللغة النرويجية).

18/5/2010
النرويج/ أوسلو

جمهورية رفحاء والناصرية وقفص العدالة
حوار مع الشاعر طارق حربي
أجرا علي الشيال

• لوعة الغربة وثقل ذكريات الحرب والانكسار وحزنك الجنوبي، هل كتبت نصوصا شعرية تحملت كل هذه الأعباء ومامدى ذلك!؟

بالنسبة لموضوعة الحرب يمكن القول بأني تمثلتها عن وعي وإصرار، لما تحطم من حياتي في جبهات الحروب وأذكر شرق البصرة بكثير من الأسى!، وسأبقى أتمثل موضوعة الحرب ماحييت!، ليس لي إلا أن أصف الحروب باعتبارها أفعالا شنيعة، وأدونها للعراقيين القادمين في زمن غير زمننا الأغبر هذا، نعم تمثلت موضوعة الحرب إن لم يكن في كل ففي معظم نصوصي الشعرية، خذ مثلا المجموعة الشعرية الأولى (حرب 80 )، فهي مخصصة بالكامل للحرب العراقية الايرانية الوحشية، راصدا فيها خطوات الجندي الذي كنته على السواتر، وظلاله الراكضة بين المواضع والحفر والسواقي الجافة في بساتين أم الرصاص وحمدان وغيرها، كذلك حاولتُ في تلك المجموعة رصد البيئة العراقية وحركة الحياة في المدن، ولافتات الضحايا السوداء التي جللت شوارع العراق، وصمت العالم دون القتل اليومي في وطننا في تلك السنوات الدموية، وربما قام على موضوعة الحروب العراقية البعثية العبثية كياني الأدبي كله، رفضا مستمرا ومعارضة، وسأمضي قدما في تدوين الهول العراقي الذي عشته مع شعبي، في سائر أرجاء العراق الحبيب.

بالنسبة لانكساري العراقي فإنه لايخرج عن مدارات وطن منكسر، حاولتْ طمس معالمه الحضارية والانسانية الأقدار وسياسات مجرمة وعربان، وقوى دولية ظلامية خططت لنا مشاريعنا النفطية السياسية، والعراق سادر في فوضى لعلها تنتظم قريبا، لكني متفائل على أية حال، ألايكفي أن صدام ونظام حكمه زالا وإلى الأبد، ويحاكمان اليوم في محكمة الشعب العراقي العادلة!!؟

…ثم أن موضوعة الاغتراب في آخر المطاف تقوي حتى وهي تسلب، لايجد المنفي كثيرا من الموائمة والانسجام، مع الأمكنة الجديدة، فيعتريه الكثير من الألم، الأمكنة الجديدة تحيل على الدوام إلى القديمة، ومن هذه النقطة يبدأ الصراع وتمزقات المنفي الداخلية، ويضغط الزمان ودوراته من كل الجهات، فيشخص الماضي بأدواته وحنكته في تشكيل الإحالات في الزمن والحياة.

حزني هو حزن الجنوب القادم من جلجامش، ونبرة الحزن والترديد في الملاحم السومرية، وغناء الفلاح العراقي حيث تسترسل على مسطحات المياه بحات أحزانه، وترددات موجات الآلام جراء الأحباط السياسي، والدماء الكثيرة التي سالت في تأريخنا، ودور الأرامل التي عشت فيها طفولتي وشبابي جائعا وعاطلا عن العمل، في بلادي أم النفط والخيرات، لدور الأرامل الذي عشنا فيها سنين طويلة دور في تشكيل كآبتي ورفضي، سواء للنظام البعثي المجرم أو للحياة العراقية ومآسيها، أما إذا انمحت من ذاكرتي حواف صورة البيت، بفعل الزمن والمنفى، فلايمكن لصور جاراتنا الملفعات بسواد العراق أن تغيب، آلهات الأحزان السومريات أمهات الضحايا أولا الأزواج ثم الأولاد في حروب الطاغية.

• جمهورية رفحاء كتاب اطّلع عليه العراقيون والعرب في الخارج، لكن للأسف لم يصل إلى العراق، بسبب منع كتبك في العهد البائد، وكتبت الجمهورية بواقعية عالية موثقا لصفحة من صفحات الملحمة العراقية إبان الحكم الدكتاتوري!؟، هل لك أن تعطي القارىء الكريم فكرة عن الكتاب الذي أقلق السلطات السعودية!؟

من الناصرية سرت على الأقدام مع خمسة أصدقاء، عاد منهم ثلاثة قبل أن نصل إلى تل اللحم، حدث ذلك بعد فشل الانتفاضة في آذار 1991، واستباحة وحوش الطاغية لمدينتنا الحبيبة، ثم طرنا من ناحية سفوان إلى مخيم رفحاء بطائرات سلاح الجو الأمريكية، وحتى تلك اللحظة لم أكن لأصدق بأني سأغادر العراق!، أمضيت ثلاث سنوات في المخيم مع ثلاثة من أشقائي ونحو ثلاثين ألف عراقي!، زادوا بالولادات غصبا عن إرادة السعوديين، الذين سلموا منا الكثيرين إلى المخابرات العراقية في المخفر الحدودي، مقابل زجاجات الويسكي ومسدسات نوع طارق!!، وتعرضنا هناك لأبشع أنواع الإذلال والمهانة والجحود، على أيدي الشرطة السعوديين والجيش ومكتب الاستخبارات!

هل قلت تعرضنا!!؟؟

لابل تمت استباحة آدميتنا وهُتكتْ هويتنا العراقية، وجحدنا كأقسى مايكون عليه الجحود، فعذب من عذب منا حتى الموت، وحفرنا قبورا في الصحراء لضحايانا تحت التعذيب والكمد، وتمت المقامرة بوجودنا بين أطراف سياسية عراقية وسعودية، وشتمنا السعوديون بمن فيهم الكثير من المواطنين على سبيل المثال (عراكَييّنْ ولْد الكَحَبَهْ!!)، لقد أخرجوا كل مافي جعبتهم من مستودع الشتائم، حتى على رموزنا السياسية والوطنية والدينية وناظم الغزالي والمستنصرية والنهرين العظيمين والزقورة السومرية وكل مايخطر لك ببال!!

جمهورية رفحاء تسجيل بالوثيقة والمعلومة والصورة والحدث واليوميات والتحليل السياسي، لحياتنا على رمال مخيم رفحاء، لشبابنا المهدور المنسي، الذي علمني أنا شخصيا درسا في الواقعية السياسية، في نهايات القرن العشرين : إن العراقيين شعب جحده العرب حكومات وأنظمة والكثير من الشعوب، في الجمهورية كذلك تأرخة لتفاصيل ماحدث لنا منذ خروجنا من الناصرية على الطريق السياحي فناحية سفوان.

والجمهورية أزعجت السلطات السعودية المختصة فكتبوا إلي يهددوني، وسخرت منهم ونشرت تهديدهم على مواقع الانترنت العراقية، ووثقت ذلك لدى منظمة العفو الدولية ولدى الجهات المختصة النرويجية، لأني حاصل على جنسية البلد الذي أقيم فيه منذ أكثر من عشرة سنوات، ولن تخيفني تهديداتهم ووعيدهم وستتم طباعة الجمهورية قريبا، وانتظر ترجمتها إلى اللغة الانكليزية وصدورها عن جامعة كاليفورنيا في الولايات المتحدة.

• بين الناصرية والنروج جروح ومخيمات وحصار ثم اغتراب طويل، كيف تلغي هذه المسافة لتكتب قصيدة (ناصريّة) مغمسة بالطين الحرّي ودموع نساء الأرامل.

أعيد تذكر الناصرية بشغف تفصيلا بعد آخر، تشرئب روحي فوق إسالة الماء العالية التي أشبهها بإله الذكاء والخلق والمياه العميقة، أنكي السومري يروي عطش المدينة وضواحيها، ومن فوق أمد البصر إلى الوجوه الحبيبة تسير في شارع الحبوبي وأكاد أعرفها جميعها، أحيي الناس ويحيوني على الرصيف والرصيف المقابل، وسأظل أحبهم وأعرفهم حتى لو بلغ تعداد سكان الناصرية خمسة ملايين!!، وأحن إلى مدرسة قرطبة : بي رغبة عارمة أن أقبل سياجها وأدخل في الصف الأول أحسن الصفوف والميصدك بينه خل يجي ويشوف!! كان هذا هو نشيدنا المفضل نحن التلاميذ الصغار، ولم نعرف يومها أن الدماء كانت تسيل في شوارع المدينة، إبان حقبة الحرس الجمهوري البغيضة، فيعذب الشيوعيون ويسجنون ويدفنون أحياء بينهم الشهيد وليد، صديق خالي فؤاد، وكانت روح الشهيد تطوف على الجسر الذي بناه عبد الكريم قاسم، والنهر وعكَد الهوى والقيصرية، وأقسم العديد من أبناء المدينة بأنهم التقوا روح الشهيد في أحلامهم!

عندما أفكر في كتابة نص شعري يشخص العراق أمام ناظري، بتأريخه وعنفوانه وحتى لحظات ضعفه بالطاغية، وكان المشهد الأخير قبل المنفى الثلجي، ومايزال حتى إبان محاكمة طاغيتنا ووضع القيود في رجليه ويديه!

للطين في الناصرية حكايات سومر يدحوه طفلنا ونفخره بآهات آلامنا السياسية، حتى تكاد تنكسر الأشعة الخارجة من أرواحنا على حاضر معلول يئن، ومستقبل مايزال طيّ الغيب، لكني متفائل.

• كيف تلقيت نبأ سقوط الطاغية، وماهي مشاعرك وأنت تشاهد رأسه العفنة تسحل في شوارع الوطن!؟

كانت تعتمل فيّ هواجس من أنواع شتى تقرب سقوطه، كم تمنيت له سقوطا مريعا وكان ذلا كذلك!، في رسالتي إليه قبل سقوطه في المزبلة كتبتُ : (حتى سقوطك لايشفي صدورنا!) وعنيت ُ: أشد مضاضة على قلب المواطن تأخر سقوط طاغيته!، وفات الأوان ياصدام!، أي أن شعبنا تعذب طويلا بلامعنى، شخصيا لايمكن وصف سعادتي بيوم التاسع من نيسان، رغم مصادفة ميلاد الحزب الفاشي قبل يومين فقط، من ميلاد العراق الجديد الحبيب وياللأقدار!، لكن مهما يكن من أمر، فقد بقيت في قلبي غصة من طاغية سقط متأخرا!؟

في شارع الحبوبي بعد مقتل المحافظ، وتجمعنا بباب بيت السيد راضي، خلال الساعات الأولى من اندلاع الانتفاضة، كان كل واحد منا يتمنى ميتة لصدام حسين لاتشبه أخرى!!، تأمل مبلغ الألم في نفوسنا جميعا، لكنه للأسف أعيد إلى السلطة، مع هدية أكثر من عشر سنوات حكمنا فيها بالنار والحديد.

لكن إحدى الأمنيات تحققت : صدام في قفص العدالة!

في الحقيقة كنت أشتغل على نص يحيي تلك الواقعة العظيمة في حياة شعبنا، قصيدة (سقط الطاغية) وحدث أن أكملتها في يوم سقوطه، ونشرت في مواقع الإنترنت العراقية.
سقط الطاغية

وصلَّتْ أمي

صلاة الشكر في المنفى

• • •

من رأس العراق

اهتزت الدنيا

إلى أطرافي السفلى …
• أدباء الداخل أدباء الخارج رغم عدم إيماني بهذين المصطلحين، لكنهما شائعان في الوسط الأدبي العراقي،كيف تنظر إليهما وهل ثمة فرق بين ما يكتب في الخارج والداخل، ولا أقصد هنا حرية التعبير أو آلية الكتابة الابداعية، وإنما منطقة الشغل ورؤى التعبير.

مصطلح مفتعل وأرجح أن السلطة القمعية وراء ترويجه في الوسط الأدبي العراقي، أي بمعنى أنها حاولت أن تشطر الذات العراقية المبدعة إلى شطرين، الأول مبدع خلاق في داخل العراق وخارجه على حد سواء، وهذا ينتج على الدوام كتابات خليقة بالعراق ومنجزه الإبداعي على مر التأريخ، أما الشطر الثاني فقد ركب موجة السلطة وخطابها الفاشي، ولم ينتج لنا سوى أعمال هابطة تمجد الطاغية ونظامه القمعي الدموي، عدا القليل الذي يؤرخ للحرب باعتبارها فعلا دموا شنيعا، ومعروف أن الكتاب العراقيين ينتمون إلى الخطاب الواحد والثقافة الواحدة، وكل كتاباتهم تصدر عن المكوّن العراقي الرئيس لهويتهم الوطنية.

• من أي الابواب دخلت إلى مضمار الترجمة، خصوصا وأنك تترجم عن اللغة النرويجية، وهي لغة بعيدة وغريبة عن القارئ العربي؟

ترجمتي من اللغة النرويجية إلى اللغة العربية هواية وليست احترافا، فمعلوم أن الترجمة قواعد وإمكانيات ودراسة أكاديمية في الجامعات، لكني وجدت نفسي مترجما هكذا بعد قراءة روائع من الأدب النرويجي (الشعر خاصة)، فقررت نقل بعض مما أحببت من شعر هذه البلاد، فكان أن ترجمت مالاقيمة له للشاعر المنتحر تور ألفن ثم تتالت المجاميع الشعرية، وأخطط لترجمة مختارات من الشعر النرويجي.

• أيها الغائب الحاضر متى تحني قدميك بتراب الوطن؟

يجي يوم الناس تنزل بالسماوه.. وانه أنزل بالوطن كلَّه وضيع!!، يختصر مظفر النواب المسافات والاغتراب وحب العراقي لوطنه : حفنة تراب من النجف قدر الموت الغامض على قماشة الراحل ولفح شمس (المشراكَة) الفاصلة بين شمس (الباكَلة) وجناح التيفوئيد في مستشفى الناصرية الجمهوري وسيكاره على الفرات ماأحلاها ودخانها وأمواجها إلى الصوب الثاني يترسلان أحيانا مع دموع الحب وأحيانا مع دموع الأسى وقدح بيره فريده مثلجة على الشط قبل أن ينفضَّ السامر وفي الطريق نشتم الطاغية وحزبه الفاشي ومديرية التجنيد نبول عليها من حرقة القلب الشاب الذي ذهبت بأحلامه السرفات وشباك العشيقة في اليوم الثاني لاينفع معه أحمر شفاه لأن الظلال عميقة تصل المطبخ وراءها بالشارع أمامها والمارة دائخون من الحروب نصفهم طعام لهجومات قادمة ونصل سعيا على الوجه أو مشيا على الراس إلى ماتحب النفس انتظارات تطول مثل أشجار السيسبان في المتنزه ومنتخب الناصرية شاكر مطره وعباس هليل وحمزه لاعب الاحتياط ونعمان وصلاح عبيد ولطيف شندل يأتي من بغداد لتدريب حامي هدف منتخبنا على العربيد يكاد لايأتي منتخب من مدينة بعيدة أو من العاصمة إلا وفاز عليه منتخبنا في الشوط الأول وزوري الموحيّة تلبط بين عينيه أرزاق سومر وشخاتيرهم وطور الشطراوي الذي صبه في أذني صباً المرحوم داخل حسن في بيته مجاور بهو البلدية ذات يوم صيفي من العام 1982 فطربت ناقرا على الطاولة أمامي وموسم الرطب في مجيئه الخيّر إلى المدينة في منتصف الشهر السابع لايأتي الرطب عادة إلا والبلابل معه كأنها تنادي الناس على حلاوته التي رضعها من الفرات و(روجات) أمواجه الشبيهة ب(روجات) المشرّح في أغنية فؤاد سالم المحببة وأركض خلف جنازة أبي في شارع الحبوبي في صيف 1974 فيمنعني أهلي من مرافقته إلى النجف ورؤية الموت في حفرة وأبكي دموعا حرى فيأخذوني معهم والمعلمة التي صادفتها وأنا بثياب الحي الصناعي فتصادم عطرها بزيوت المحركات واحترق قلبي والكتب والقصائد الأولى التي تزين صدر العشيقة وعطور بنات السادس الاعدادي يتهادين كالإوز سابحات في أهوار شارع الحبوبي والوجدان العراقي الذي أثمر شعرا وقصة وورسومات رغم حزام الغبار الذي كان يلف المدينة على امتداد الصيف وينسف أحلامنا في وطن مسالم بسيط بساطة الطليع في موسمه ووجه حاكم محمد – قبل أن يغيبه الأمن الفاشي- مخمورا قرب معارض بيع السيارات يقرأ الحلاج منتشيا ونصغي إليه بعفوية من يلتحق غدا إلى شرق البصرة في حرب لايدري لماذا وأين ومتى وشلون وعليمن ويمته!!؟، وصوت المؤذن يتردد في نفسي من منارة جامع (الست لنده) ولاأذهب إلى الصلاة لأنني نعسان مقرور بين ثياب الفجر الدافئة وصلعة معلمنا في ساحة المدرسة تأمر وتنهي مثل أبينا الغارق حتى أذنيه في الشغل والسماء المفتوحة فوق المدينة مثل وردة زرقاء من قماش القطيفة ونضحك في الشوارع وفي المنفى وفي الصحو والمنام وأردد في نفسي : هل صحيح بأني منفي وبعيد عن العراق!!؟

أنا عائد إلى أحضان السيد الكبير العراق!

حوار مع الكاتب طارق حربي حول التغطية الاعلامية للتظاهرات المطلبية في العراق والناصرية.

الأحد 13 مارس / أذار 2011 – 21:28:24

اندلعت في الأسابيع الماضية الكثير من التظاهرات المطلبية في بغداد والكثير المدن العراقية، بينها الناصرية وعدد من الأقضية والنواحي التابعة لمحافظة ذي قار، ورفع المتظاهرون شعارات طالبوا فيها بتحسين مفردات البطاقة التموينية ومكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين، وحث مجلس النواب العراقي على تفعيل دوره الرقابي ومحاسبة الحكومة وغيرها.

وتفاوت رد فعل وسائل الاعلام العراقية (فضائيات/صحف/مواقع الكترونية) كل حسب الجهة التي ينتمي إليها والدعم والتمويل الذي يتلقاه والأجندة التي تقف وراءه، فقد وقفت مواقع الكترونية عاملة في الناصرية وتحمل اسمها مثلا ضد التظاهرات الجماهيرية، ولم تنشر حتى خبرا عابرا عن تظاهرة الجمعة الماضية!، التي دعا إليها ناشطون في موقع التواصل الاجتماعي “الفيس بوك” و”تويتر” وأطلق عليها “جمعة الكرامة”، وتراوح وقوف عدد من المواقع الالكترونية العاملة في الناصرية على سبيل المثال، بين تقزيم التظاهرات وعدم تغطيتها بما يتلاءم مع حجمها أو عدم الاشارة إليها ، وكأنها وقعت في زمان آخر ومكان بعيد عن ساحات الأحداث العراقية الساخنة، فيما وقفت مواقع أخرى مع التظاهرات في العراق والناصرية ومدن ذي قار كافة، نظرا لاستقلالية تلك المواقع عن أصحاب القرار السياسي والأحزاب الدينية واعتمادها على التمويل الذاتي.

ولأجل القاء المزيد من الأضواء حول اختلاف وسائل الاعلام العراقية في تغطيتها للتظاهرات المطلبية كان لنا هذا الحوار مع الشاعر والكاتب طارق حربي، المشرف العام على موقع “سومريون.نت” الديمقراطي المستقل، ذي التأثير الواسع على الرأي العام والحكومة المحلية في محافظة ذي قار وأوساط النخب السياسية والثقافية.*هل تعتبر أن تغطية موقع سومريون.نت للتظاهرات المطلبية التي عمت العراق وذي قار محايدة ؟

– خلال ثماني سنوات من المسيرة الاعلامية استطاع القراء الكرام تأشير حيادية وإخلاص سومريون للعراقيين والعراق، إن عدم مهنية أي وسيلة إعلامية برأيي هو عدم وجود دوافع وطنية أو إخلاص كادرها، أو تلقي دعم وتمويل لتنفيذ أجندات أحزاب دينية وآيديولوجية معينة، هنالك فضائيات ومواقع الكترونية وصحف وغيرها تعمل بأجندات من خارج العراق، وهي مفضوحة في الفضاء الاعلامي والكلام في ذلك يطول، ولعل استقلالية سومريون (موقع تطوعي غير ربحي انطلق بعد سقوط صدام ونظامه الفاشي) وديمقراطيته ومساحة الحرية التي يتحرك بها وانحيازه إلى الشعب العراقي وقضاياه المصيرية، جعله في مقدمة وسائل الإعلام العراقية التي ينتقدها القراء بشدة إذا ماحدث خطأ هنا أو هناك أحيانا، لأن سومريون محسوب على الجهد الوطني والديمقراطي الداعي إلى بناء دولة المؤسسات الدستورية والديمقراطية، ودعم الجهد الحكومي في مكافحة الارهاب والحيلولة دون عودة البعث إلى حكم العراق بأي شكل من الأشكال، حتى تشكلت هوية الموقع العراقية ورياديته.

وتأتي تغطية سومريون للتظاهرات المطلبية الأخيرة، سواء في الناصرية أو بغداد أو سائر المدن العراقية، بحيادية تامة ومهنية، الهدف هو أن يتم توصيل المعلومة الصحيحة وترتفع أسهم الموقع ورصيده في الواقع العراقي، وهذا هو عنوان آخر خبر نشر في سومريون (جمعة الكرامة بالناصرية:عضوا مجلس ذي قار التقيا المتظاهرين والأجهزة الأمنية تعاملت مع التظاهرات بحياد ومهنية) ويمكنكم تلمس الحيادية والمهنية في صياغة عنوان الخبر والخبر نفسه، الذي وضعناه في مكان بارز على واجهة الموقع ليطلع عليه أكبر عدد ممكن من القراء الكرام ليدلوا برأيهم فيما بعد في رابط التعليقات.

من جهة ثانية يعتمد سومريون في نقل أخباره على وكالات عالمية مثل رويترز وسي أن أن والفرنسية وغيرها، ومحلية مثل السومرية نيوز وأصوات العراق والآكانيوز المستقلة وهي موثوق بها جميعا، أما التغطية الإعلامية المحلية للأحداث فهي تأتي من مراسلينا في ساحة ذي قار، وتخضع الأخبار والتقارير إلى ضوابط اللغة الصحفية واستيفاء شروط الجملة العربية السليمة، ومن جهة ثانية فإن الصحافة الالكترونية منحتنا نعمة إكمال الخبر أو تكذيبه مثل سائر المواقع الالكترونية في العالم، عبر نشر الخبر والتعليق عليه خلال وقت قصير سواء من مكان الحدث، أو من دول العالم المختلفة، في عصر السرعة والاتصال والشفافية، لهذا وغيره حصد سومريون جوائز عديدة خلال مسيرته الاعلامية، توجها مؤخرا بحصوله على جائزة أحد “أفضل خمسة مواقع عراقية فاعلة على الشبكة الدولية” وذلك لمصداقيته ومهنيته وعدم ارتباطه بأي حزب أو أيديولوجية أو أجندات خارجية.

س/هنالك انتقادات رسمية لانحيازكم للمتظاهرين هل تعتبرها صحيحة؟
– التظاهرات المطلبية التي اندلعت في جمعة الغضب يوم 25 من الشهر الماضي، لم تكن ترفا عراقيا أو نزهة في شارع أبو نؤاس تنتهي بتناول (السمج مسكوف!)، أو أن مجموعة من الهواة أرادوا تجربة آليات الديمقراطية الوليدة أو جس نبض الحكومة!، بل إن التظاهرات انطلقت من واقع الحال العراقي المر المتراكم في سوئه وتخلفه وأشره العراقيون أنفسهم، في عمق الفساد المالي والإداري المستشري في مفاصل الدولة العراقية الذي وصل إلى سرقة 40 مليار دولار سنة 2010، وبينته إحصاءات هيئة النزاهة الشهرية والسنوية، ورصدته شكاوى المواطنين واستغاثاتهم المستمرة من الإهمال الحكومي في العراق وذي قار، من تردي واقع الخدمات، إلى ارتفاع معدلات البطالة، إلى تذبذب التيار الكهربائي، إلى فساد السياسة الخارجية عبر تكريد السفارات وغيرها، وكل ذلك يجري على خلفية الصراع على السلطة ببغداد والمحافظات بما أفرزته من الطائفية السياسية وغذاه الفساد.

إن سومريون أحد الوسائل الاعلامية العاملة في الساحة التي تنشر أنواع الفساد بلاتردد، لغرض مساعدة الحكومتين الاتحادية والمحلية على تجاوز عثراتها وتقويتها وليس النيل منها، وبالتالي وضع الخطط اللازمة لتحسين أدائهما وبناء مؤسسات الدولة العراقية.

ومن الطبيعي أن يعبر بعض المسؤولين في الحكومة المحلية في الناصرية عن زعلهم، وفي الحكومة من الفاسدين مافيها، لكن للانصاف لانعدم وجود مخلصين ووطنيين فيها، إنهم يكرهون سماع الرأي الآخر ويحبون تمرير سياساتهم وفسادهم من خلال موقع الكتروني يرعاه رجل دين، ويتخادم مع مجلس ذي قار وهذا لم يعد سرا، ويمرر أجنداته الطائفية ومشاريعه الفاشلة وطرد مدراء عامين وموظفين، إما أنهم لايقدمون فروض الطاعة والولاء لرجل الدين وحزبه الحاكم، أو لتصفية حسابات وإيجاد كبش فداء كلما تعرض الحكم إلى هزة تظاهرات مطلبية!، وكل ذلك يجري على خلفية الصراع على تقسيم الثروة بين المسؤولين والمقاولين وأصحاب القومسيونات، هذا وغيره من مؤشرات الفساد ليس من عنديات سومريون، بل فضحه المقربون من أصحاب القرار عراكا على كعكة ذي قار!، وفتحت تحقيقات ذهبت أوراقها أدراج الرياح!

فعندما يتم حرق مستشفى الحسين التعليمي سبع مرات منذ التغيير حتى قبل شهر، مرة كل سنة تقريبا ولاتعلن نتائج التحقيقات، هذا ليس ذنب سومريون حينما ينشر ملف الجريمة، ليطلع عليها أبناء ذي قار وذوو الضحايا ووسائل الاعلام المحلية، وحينما يفتح سومريون ملفات المشاريع الفاشلة من جسر القيثارة المعوج، إلى صبغ الشوارع بالمليارات فلاتصمد مع أول مطره وغيرها كثير، إن الأخبار منشورة بالوثيقة والدليل وبموضوعية، وهكذا يستمر سومريون بنشر أخبار التظاهرات المطلبية بكل حيادية ونزاهة ومهنية، ليطلع عليها شعب ذي قار ويعلق ويرد في إطار الصحافة الحرة والمهنية.

إن المسؤولية الوطنية والأمانة الصحفية تفترضان طرح وجهات النظر المختلفة في القضايا الراهنة، التي تلم بوطننا ويعاني منها شعبنا وتهدد مستقبل أجيالنا، وتأتي التظاهرات المطلبية ببغداد وبقية المدن العراقية في إطار الثورة على الفساد وتردي الخدمات، ونحن نطرح الأخبار ونعكسها للشارع العراقي بلاخوف أو تردد نظرا للاستقلالية التي نتمتع بها، وللقراء حق كتابة التعليقات المباشرة وهذه هي مسؤولية الصحافة الالكترونية.

س/ ماتقييمك لتغطية وسائل الاعلام الاخرى؟
-إعلامنا سني وشيعي مع شديد الأسف وحتى الشخصي والفئوي والمناطفي يندرج في الخانتين المذكورتين!، لكن للانصاف لا نعدم وجود اعلام وطني صادق ومخلص، لكنه قليل ومهمل من قبل الحكومة لأنه يقف ضد فسادها وخطاب أحزابها الطائفي والقومي، لذك بقي بدون تمويل فضعف أداؤه ولم يعد له تأثير كبير في الساحة الاعلامية، لكنه مستمر ويصارع من أجل البقاء وسومريون.نت مثالا صارخا!، مقابل الدعم اللانهائي لوسائل الاعلام الطائفية الناطقة في خط الحكومة، لذلك استمر الفساد والقتل والتخريب وتردي أحوال النظام وكثرت هفواته وعثراته، ومعها بطبيعة الحال حياة الشعب العراقي طوال ثماني سنوات.

ولم نؤشر العقيدة العراقية في العمل الصحفي إلا هنا وهناك، فالجميع ينطق بحسب تمويله وتمرير أجندات حزبه أو الجهة أو الشخصية التي تدعمه، فمثلا اختلفت وسائل الاعلام في تغطيتها لأخبار التظاهرات المطلبية كل حسب جهة تمويله وأجنداته الحزبية والطائفية والقومية، لكنها أخذت تنكشف للشعب العراقي يوما بعد يوم، وأتوقع أن تتعالى الصيحات وتكتب النداءات ضد وسائل الإعلام المضللة والطائفية والفئوية، وقد بدأت فعلا بعدما هتف العراقيون يوم الجمعة الماضية جمعة الكرامة (كذابة العراقية كذابة!) ويقصدون الفضائية العراقية الرسمية، إضافة إلى (كذاب نوري المالكي كذاب!) وغيرها.

س / هل اشرت توجهات محددة لدى قسم منهم؟
-نعم أشرت تضليل ولامهنية “شبكة أخبار الناصرية”، التي ترفع عنوان (مرآة الحقيقة والحياد) على واجهتها، وهي في واقع الحال مرآة (الفضيحة والفساد!)، إنها أكبر موقع إلكتروني بالدعم والتمويل من حزب الدعوة والحكومة، لابالمهنية والصدق مع شعب ذي قار (محررها مستشار رئيس الوزراء!)، ووجدت أنها وقفت ضد مصلحة شعب ذي قار على طول الخط، وهو الذي عانى في عهد المقبور ويعاني اليوم في عهد الاسلام السياسي!

إحدى قنوات فسادها أنها وبتوجيه من رجل الدين محمد باقر الناصري، تحصل على 300 دولار شهريا من المدراء العامين (عددهم 10) ، واطلقت لهم مواقع فرعية ووضعت صورهم في واجهتها، حتى أخذ شعب ذي قار يتندر عليها إلى درجة إعلان أحد المواطنين عن مسابقة أجمل صورة للمدراء!، وتحولت المزحة إلى رسائل إلكترونية تلقاها سومريون من جهات مختلفة بينت فساد عدد من المدراء في وقتها بالأرقام والسنوات وغيرها.

ومن الطبيعي أن تمرر شبكة الناصرية فساد الدوائر وسرقات المدراء العامين والموظفين الصغار المرتبطين بالأحزاب، لاسيما حزب الدعوة ودولة القانون، وهنالك مافيا تدعمها الشبكة في الدوائر يقول المطلعون على الأسرار في الناصرية، إنها أصبحت أسوأ من المافيا الروسية من حيث سرقاتها بالمليارات وليس الملايين!.

وهكذا سعت الشبكة خلال ثماني سنوات إلى الحفاظ على مكاسبها وأموالها التي حصلت عليها من السحت الحرام، هي في الواقع من قوت الشعب العراقي وفقرائه ويتاماه وأرامله وشبابه العاطل، ومثلما لم تبادر إلى نشر أخبار الفساد في ذي قار بل وقفت ضده، وأخذت تنشر أخبارا مضللة ومقالات لكتاب مغمورين مؤدلجين مضادة للتظاهرات، خوفا من سحب التمويل لارتباط المدراء بالأحزاب الدينية وارتباطها هي بمجلس ذي قار الرافض بطبيعة الحال لتظاهرات ذي قار المطلبية، التي صاغت الشبكة أخبارها بما يذكر بصياغات فضائيات معادية للشعب العراقي وخلاصه من نظام المقبور بعد سنة 2003!

تأمل في عنوان هذا الخبر كمثال (مسؤولون محليون في ذي قار يحذرون من عودة البعثيين بعد فقدان حواضنهم في مصر وليبيا واليمن!!) مع أن الشبكة ومن يقف وراءها تعرف أن البعثيين في الناصرية (راحوا بالرجلين) وذهب حزبهم إلى المزبلة وإلى الأبد، لكن الشبكة تنطق أولا في خط نوري المالكي حينما اتهم التظاهرات بالبعثية، التصريح الذي سيعجل بإطاحته مثلما أطيح برئيس الوزراء الأسبق إبراهيم الجعفري سنة 2006 وإن اختلفت الأسباب، وثانيا تريد الشبكة تصوير التظاهرات على أنها مناوئة للحكومة مدفوعة من الخارج!، لاشرعية لها بعثية وفيها مندسون وتكفيريون إلى آخره من التضليل والافتراءات، على شعب المقابر الجماعية والجوع والتشرد واحنه أهل النفط عطالة بطالة! الهتاف الذي ردده متظاهرو الناصرية والعراق!

هذا غيض من فيض المواقع الالكترونية الطائفية الفاسدة، أما الفضائيات فحدث ولاحرج!، وفي المقدمة منها الشرقية والبغدادية بخلفيتهما البعثية التي لاتخفى ومصادر تمويلهما المشبوهة، هما لاتكلان عن التنكيل بالعراق وتفخيم الأخبار السيئة والنيل من الشعب العراقي، مفضوحتان في توجهاتهما وخطابهما وضعف مهنيتهما وقلة حظوظهما في الشارع العراقي، ولطالما كتب عنهما في وسائل الاعلام وكل ينطق حسب تمويله مثل التلفون العمومي!!، بالاستعارة من (بهاء الأعرجي) الذي انتخبه بسطاء الناصرية نائبا في البرلمان مع شديد الأسف، حيث يقول : مثل التلفون العمومي يحجي على كد الفلوس اللي تخليها بيه!!

لمناسبة إطفاء شمعته السادسة : حوار صريح مع المشرف العام على موقع سومريون.نت طارق حربي
أجرى الحوار معه جواد كاظم إسماعيل

رغم بعده عن الناصرية مدينته لكن روحه لازالت تطوف في شارع الحبوبي (عكد الهوا) ولا زالت ذاكرته مكتضة بالصور عن أيام صباه..صور الشارع والحارة والأصدقاء وصفوف المدرسة،لم تختزل ذاكرته الطرية أي مشهد ولم تجتزئ أي تفصيل يرتبط بالمدينة من فعل ثقافي أو فكري أو ابداعي، لازالت حكايات الأمهات وانين الثكالى ووجع الفرات يزيد من حنينه إلى حضن أمه مدينته السمراء التي هجرها قسراً سنة 1991 رغم أنه يعشقها حد الجنون، لكن هكذا شاءت الأحداث والظروف أن ينأى عنها جسدا لا روحا حيث بقت روحه ملتصقة بترابها وشوقه وعشقه يزداد إليها يوماً بعد آخر، هو كل يوم يرسل طير الحمام ليأتي له بإخبار( كاظم الحلو الحباب) وأخبار مقهى التجار وحارة الصابئة وطقوسهم,…. ياطيور الطايرة سلمي لهلي، لم يرتوِ بكل هذا بل أخذ يبحث عن عنوان صديق يتواصل معه بأخبار جديدة عن سوق سيد سعد وسوق( المغازة) وسوق( المصوغات الذهبية) وعن المتنزه ومدينة الألعاب حتى عن ساحات كرة القدم ومقاهي الأدباء… ليس لأنه شاعر يحمل كل هذا الحب ووهج المشاعر فقد هجر المدينة الكثيرون غيره وربما نسي البعض منهم ناصريتهم أو تناسوها ماأن وضعوا أقدامهم أرض الغربة والأغتراب وأخذهم بريق الأضواء والحضارة في المدن التي أصبحت لهم موطنا وليس وطن الأ أن هذه الأجواء لم تغرٍ الطائر السومري( طارق حربي) الإنسان والكاتب والشاعر والعاشق فهو دائما يشكو لي من قسوة الصقيع ووجع الاغتراب وشوقه العارم إلى الناصرية والعراق..

.. لكل هذا َتحَمَستُ بعد أن علمت أن المنبر الأعلامي (سومريون.نت) الذي أطلقه ووضعه في خدمة مدينته ويشرف عليه منذ ستة أعوام يستعد للاحتفاء بإطفاء شمعته السادسة تحمستُ أن أسبر غور هذا الرجل الذي قارع الدكتاتور والدكتاتورية وكان له دور في انتفاضة آذار المجيدة تحفظه له سجلات الناصرية وذاكرة أهلها وهو كذلك حفظ تأريخها وأول من وثقها في مخيم رفحاء الذي اقام فيه ثلاث سنوات..

وكان لي معه هذا الحوار الصريح ..

* كيف ولدت فكرة تأسيس الموقع ومتى…؟؟

– وصلت إلى النرويج لاجئا سنة 1993 بعد ثلاث سنوات في مخيم رفحاء أبو خمس نجوم، أعيد التوطين في مدينة نائية تقع شمال وسط النرويج اسمها (MO I RANA)، كان فيها تلفزيون محلي وصحيفة ومجلة ومرفأ، وكل وسائل الراحة والرفاهية للسكان البالغ عددهم (25) الف نسمة، يومذاك فكرت مع نفسي : مدينة صغيرة وفيها تلفزيون وصحف ومجلة فماذا عن الناصرية أم المليون نسمة وأول الحرف وأول قيثارة في التأريخ عزف عليها الملك شولجي حسبما تشير المصادر!؟

فكرت بمطبوع وإذاعة لكن المشروعين كانا صعبين وقتذاك.

وأطلقت في أحلام يقظتي (فضائية أور!!) من جوار الزقورة وبنسختين العربية والانكليزية(شوف شلون بطران!) وتدعو إلى نهضة شاملة لمحافظة ذي قار بما فيها تنشيط السياحة الدينية وإلى آثار سومر وتمنيت للأهوار أن تستعيد صفات جنة عدن في الكتب المقدسة!!

في سنة 2002 صممت وشاركت في إطلاق موقع ناصرية.نت وعملت فيه لفترة قصيرة، وفي يوم سقوط صدام ونظامه المجرم في 9/4/2003 اطلقت موقع سومريون.نت وأشرف عليه وأحرره منذ ذلك التأريخ وحتى اليوم..

* هل يمكن معرفة تاريخ الميلاد مفصلا ؟

– يؤرخ الناس للأحداث المؤثرة في التأريخ باطلاق أسمائها على مواليدهم، نحن أرخنا لانطلاقتنا بسقوط الصنم على وجهه في ساحة الفردوس، بمشروع اعلامي نهضوي مستقبلي اسمه سومريون.نت، الدلالة لاتخفى : بداية عهد جديد من الانعتاق والبناء والتحرر من دخان مرحلة تأريخية عاصفة بالدم والدخان.

*  لماذا سومريون بالذات….؟؟

– في الفكر البعثي أو البسماركي أو أي فكر قومي شوفيني تقدم الأرض على الانسان، ومعلوم أن الأرض مع حبي الكبير لها والمعلن في قصائد منشورة، تصبح مجردة لاقيمة لها بلا بني البشر، هنالك مالايحصى من الكواكب غير المأهولة في الكون لاأهمية لها في نظر الفلكيين، لكن سيكون لها تأريخ يصنعه الانسان لو دب فيها نسغ الحياة!

سومريون تعني البشر صناع الحضارة (حضارة البناء) والأمل، بمعنى أنهم الأولون والآخرون، الانسان أولا والحضارة بدأت من هنا أي من سومر كما كتب السومريولوجي نوح كريمر.

 * كيف كانت الخطوة الأولى…؟؟

– في سن الثامنة عشرة ذهبت إلى الجيش جنديا ولما تسرحت سنة 1980 اشتعلت نار الحرب العراقية الايرانية وأمضيت فيها من الفها الى يائها الى سرفاتها الى كيميائها، بعد التسريح بسنتين غزا صدام الكويت واندلعت الانتفاضة سنة 1991 فذهبت إلى معتقل رفحاء الصحراوي وأقمت فيه 3 سنوات مع ثلاثة أشقاء وثلاثين الف عراقية وعراقي، ودون السعودية التي تدعي الاسلام كذبا وزورا قبل بنا أهل الكفر والالحاد لاجئين سياسيين منذ ستة عشر عاما، وبدل الخيام العربية منحونا شققا ورواتب وجناسي!!

تصرمت حياتي بين البراري والصحارى وحقول الثلج، أسرد ذلك في أطياف من الحنين الدائم إلى الناصرية، وأعمل على نهضتها بعد عقود الظلام البعثية، الحنين الجارف إلى مواطنيّ وألفة المكان الذي لاشك تغير ديموغرافيا بعد مخاضات الحروب والحصار والاحتلال، وأتطلع عبر هذا المشروع إلى أن ينال مواطنيّ مانالته الشعوب المتحررة من الطغيان والحروب، وفي غضون ذلك يقف سومريون.نت كمشروع إعلامي وابداعي على تقاطعات الحنين إلى الناس والمكان والتأريخ والمستقبل.

تلك هي الخطوة الأولى والأساس في انطلاق المشروع

*  ماهي المعوقات التي واجهتموها كبداية لانطلاقة الموقع؟؟

– لم نواجه اية معوقات، هكذا ببساطة حجزنا لدى شركة أمريكية مساحة الموقع وأطلقناه بلا تردد، بعد ايام قلائل انهالت علينا أخبار الناصرية وإبداعات أهلها ونشرناها وصار لسومريون.نت في قلب كل محب بيت وذكرى طيبة تطلب المزيد.

*  ماهي مصادر تمويل الموقع!!؟

– عدنه مصدر تمويل واحد ماراح أعلمك بيه ..يقول ضاحكا..

يردف : لدينا مصدر تمويل واحد لاينضب : محبة القراء واعتزازهم وتقديرهم لريادية سومريون.نت، أضع أحيانا اعلانا حول حاجة الموقع إلى مراسلين ومحررين، أستلم رسائل تسأل عن الأجور والمكافآت، لاأرد عليها، قد يظن البعض – ولهم الحق في ذلك – أن الموقع يحصل على تمويل من الحكومة، لأننا ننشر أخبارها ونسعى إلى تقويتها ونتماهى معها من اجل حياتنا ومستقبل أجيالنا، لكن الحكومة لاتسأل عنا ولاترسل إلينا أخبارها فننشرها ونكون لها من الشاكرين!

كل مرة يخبرني فيها زميل بمحبة الناس وتقديرهم لعملنا التطوعي هذا هو مصدر التمويل الأعظم بالنسبة إلينا، كلمة طيبة في رسالة شكر من العراق، من مواطن أو مسؤول هذا هو مصدر التمويل الذي يتمناه أي موقع الكتروني وأية فضائية تعمل من أجل العراق العزيز..

لاأعرف من من المواقع الالكترونية لايحصل على أي دعم مالي مثل سومريون.نت منذ الانطلاق حتى اليوم، لكن سأستمر بدفع نفقات الموقع من جيبي الخاص رغم أني أعيش على الضمان الاجتماعي في هذا المنفى البارد (النرويج)، إضافة إلى عملي التطوعي الذي قد يصل أحيانا إلى اكثر من 10 ساعات يوميا.

المشكلة ياصديقي ليس في هذا كله ..لكن الكثيرين لايصدقون أننا نعمل مجانا في زماننا هذا وعصرنا!؟

 

* ماهي الرسالة التي تريد توصيلها من خلال الموقع باعتباره نافذة إعلامية، يتنافس مع الكثير من النوافذ الإعلامية المنتشرة داخل العراق بشكل عام وفي ذي قار على وجه الخصوص..؟

– رسالة سومريون.نت واضحة : إعلامية هادفة منحازة إلى الشعب العراقي وقضاياه المصيرية، بعيدا عن الطائفية والتحزب والفئوية والمناطقية، صوته عالي ضد الارهاب الذي بدأ الوطن يبرأ منه ويشفى، داعيا إلى أن ينهض الشعب والوطن إلى البناء والاعمار والتجديد للحاق بركب ماتوصل إليه العالم في الحقوق الديمقراطية ونشر ثقافة المجتمع المدني والحريات الفردية والخصوصية الانسانية، كما يسعى إلى نشر أخبار السلام والأمن والطمأنينة والرفاهية لشعب ذي قار خاصة والعراق عامة.

أما محليا فسومريون يعمل على انتشال الناصرية من النسيان والاهمال بوضعها على المدار الانساني والكوني، ورفع مالحق بها من ظلم وحيف وقتل أبنائها وزجهم في السجون وتشريدهم، نشر إبداع أبناء سومر وثقافتهم التنويرية، السعي الدائم إلى أن يكون لأبناء ذي قار صوتهم المسموع في العراق الجديد، سواء في الكتابة الجديدة أو في إشاعة الثقافة السومرية باعتبارها إحدى مكونات الهوية الوطنية العراقية.

* وهل تحقق لكم ذلك!؟

– لاتتحقق أمنية الانسان بين يوم وليلة فكيف بأماني شعب ووطن خرجا للتو من نظام الطغيان والحروب والحصار والاحتلال، نحن جزء من مسيرة شعب طويلة باتجاه الأهداف المنشودة.

* حصد الموقع جوائز وضعتم لها رابط على واجهة سومريون.نت!؟

– نعم حصل الزملاء على شهادات تقديرية وجوائز من الجهات الرسمية في محافظة ذي قار وتشجيعا لهم ولعملهم التطوعي الدؤوب في خدمة المحافظة وحصلت على شهادة تقديرية من السيد مثال الألوسي لوقوفي معه خلال الأزمة العاصفة في البرلمان في العام الماضي، وضعت الجوائز والشهادات في رابط خاص على الواجهة والزملاء يستاهلون كل يوم جائزة.

* على من تعتب!؟ ..ولماذا!؟

–  أعتب على من ضيعوني..يقول ضاحكا!!

يردف : لي عتبان الأول على الحكومة المحلية في ذي قار والثاني على الحكومة الاتحادية في بغداد!

تمتنع الحكومة المحلية في ذي قار عن تزويدنا بأخبار المحافظة، كأن ليس فيها حكيم ولاعاقل، وأننا لسنا من أبناء ذي قار و(ولد الملحه!) ..(شوف) التمييز المؤسف بين وسائل الاعلام التي أطلقت أساسا من أجل محافظة ذي قار، وتخصصت في نشر أخبارها وحفظت تأريخها ونشرت إبداعها وذكرت بشخصياتها وحللت وقائعها، فالأخبار تذهب أولا بأول إلى موقع آخر يهتم بأخبار الناصرية، لأن من يدعمه ويموله رجل دين معروف، له سلطة دينية واجتماعية على الدوائر في المحافظة ويتمتع بعلاقات مع الحكومة المحلية، فالموقع الديني المتواضع الذي يدعمه ينشر يوميا (6-10) أخبار منوعة تقل أو تزيد أحيانا، أخبار ووقائع وأحداث ومشاريع وزيارات مسؤولين أو فريق الاعمار أو التفجيرات وغيرها من الأخبار العاجلة، إنهم يهملوننا بقصدية وكأننا لسنا أبناء الناصرية بل أبناء اسكندنافيا!!، شيء يثير الضحك والسخرية حقا في زمن المحاصصة الطائفية، فهل خلت الناصرية من حكمائها وعقلانييها في الحكومة المحلية لكي تساوي بين القنوات الاعلامية التي تعمل من أجل مصلحة ذي قار في العراق الجديد!؟

..وعتب آخر على الحكومة الاتحادية التي لاترسل إلى سومريون.نت أخبارها فتجعلنا نتسقطها من مواقع أخرى، فيما المكتب الاعلامي للسيد رئيس الوزراء يعلم جيدا أن سومريون.نت يقف إلى جانب حكومة السيد المالكي ويقوي من عزمها ضد أعداء العراق ويتطلع إلى حكومة وحدة وطنية قوية بغض النظر عن الاخفاقات التي ندعو الى تجاوزها، مع ذلك فالحكومة ترسل أخبارها إلى موقع سعودي يرسل سمومه إلى العملية السياسية بإعادة صياغة الأخبار العراقية وبأيد عراقية مع الأسف تدير القسم السياسي في إيلاف سواء عبر إعادة تأهيل الشخصيات البعثية المرفوضة من الشعب العراقي أو إعادة تأهيل مرحلة منقرضة بكاملها أو إعادة صياغة الأخبار بمايرضي الخطاب السعودي الرسمي وهو في مجمله معادي للشعب العراقي وتضحياته ومستقبله والعملية السياسية برمتها والشواهد كثيرة سواء في دعم الارهاب والمجرمين أو بالأموال السعودية أو في القنوات الاعلامية.

وبالمناسبة لماذا لاتسعى الحكومة العراقية إلى إطلاق موقع بضخامة إيلاف وتموله وتستقطب منه ثلاثة أرباع كتابها من العراقيين للدفاع عن الشعب العراقي وإعادة الوجه المشرق للعراق على الأقل اعلاميا وتسعى إلى تغيير الكثير من المفاهيم والتصورات والمواقف لدى المواطن العربي الذي يسيطر على عقله الخطاب الاعلامي العربي الرسمي!؟

*هل لنا أن نتعرف على أول قلم ساهم في رفد الموقع من أبناء المحافظة…؟

–  الزميل العزيز إبراهيم عبد الحسن أول من ساهم في رفد الموقع بالأخبار والتقارير والكتابة عن تأريخ الناصرية سياسيا ورياضيا وذكر الشخصيات الشعبية، وكل الزملاء رائعون مبدعون مثابرون يستحقون كل يوم جائزة سنيّة عما يقدمون لأهل ذي قار الكرام في هذا المشروع التطوعي.

 

* ما هي الآليات التي يعتمدها الموقع لتوسيع قاعدة هيئة التحرير وتوسيع العمل؟

– يطرح أحد الزملاء أو أنا فكرة نطورها ونعمل عليها، ويأتي كل يوم بالجديد من الأحداث : نحللها نستقريها نوظفها في خدمة شعبنا في محافظة ذي قار، ينضم إلينا باستمرار زميلات وزملاء جدد كمراسلين أو مساهمين، لكن يحتاج الموقع إلى زميلات لرفده فيما يتعلق بشؤون المرأة والطفل خاصة،

نحاول توسيع العمل ليشمل الأقضية والنواحي وإلى أبعد نقطة في ذي قار، لكن هذا يتوقف على وجود خط انترنت في المناطق النائية، وكذلك المتطوعين بارسال الأخبار والتقارير المصورة، عملنا يتسع يوما بعد آخر قاعدتنا الجماهيرية تتضاعف تواصلنا مع القراء في أرجاء العالم المختلفة لايتوقف.

*هل يعبر الموقع عن أجندات طائفة أو حزب معين..؟

– لايعبر سومريون.نت عن أجندات طائفية ولا قومية ولادينية ولامذهبية ولامناطقية، لاينسعد سومريون.نت إلا برؤية العراق عزيزا موحدا تقوده إلى بر الأمان حكومة وحدة وطنية يقف معها قلبا وكتابة، لاتبني الطوائف أو الأحزاب وطنا وسومريون كمشروع اعلامي – ويسعى الى أن يكون مؤسسة – يقف مع العراق الذي يحتوي الجميع تحت راية العدل والمساواة.

باختصار لايعبر سومريون.نت إلا عن عراقيته الخالصة.

* بعد التغيير الذي حصل في العراق ظهر العديد من المواقع الالكترونية مابين دينية وعلمانية وأخرى حزبية، أين يكون موقع سومريون.نت بين هذه جميعا!؟

– كل موقع وصحيفة وفضائية ومؤسسة اعلامية لها خطاب وأجندات وتمويل، قناة الشرقية تبث برامج ودعايات ضد إيران باستمرار، لكن تغض النظر عن السعودية وافعالها الاجرامية في العراق بعد التغيير لأنها الممول الرئيس للشرقية، البغدادية تنطق في الخط العروبي المصري وقيل الكثير عن مصادر تمويلها، لايحتاج المشاهد إلى عميق تحليل ليقول عن قناة الفرات إنها طائفية، إيلاف سعودية ولو ظهرت في زمن المعدوم لاشتراها مثلما اشترى صحفا في بيروت ولندن وباريس، تخلى عنها كلها بعد الحصار لصالح السعودية، أسمع عن مواقع عراقية تمولها الأحزاب بعضها أخذ يجند الصحفيين ويوظفهم ويطلق إذاعات مع أن القائمين على تلك المواقع لاشأن لهم في العمل الصحفي لا من قريب ولا من بعيد، لكن مخاضات الأوضاع السياسية في البلاد حتمت ظهور ميليشيات ثقافية طارئة على الاعلام والعمل الصحفي المهني.

* من خلال عمر الموقع ومخاضاته كيف تنظرون لأعضاء هيئة التحرير!؟

– أقدر فيهم جهودهم ونبلهم في عملهم في هذا المشروع التطوعي، تصور ولا واحد منهم كتب الي في يوم من الايام يطلب مكافأة على خدماته، أطلق القراء على الزميل رعد امقيص شمعة سومريون مؤخرا، وعلى زملاء آخرين أبطال سومريون وعيون سومريون وغيرها من الصفات ونحن جميعا فرحون بها لأنها ثمرة جهودنا.

* كيف ترسم لنا العلاقة بين موقع سومريون نت وبين المثقف في محافظة ذي قار..؟ وهل ساهم المثقف حقا في رفد الموقع بمواضيع تلامس عمق الحضارة السومرية..؟

– مما يؤسف له أن حداثتنا موجودة في ماتنتجه الذهنية العراقية في القصة والشعر، ليس هنالك حداثة في المؤسسات العراقية قاطبة ولاوجود لحكومة الكترونية ولارعاية شباب ولا في الخطاب الموجه إلى المرأة عبر التشريعات التي تحفظ لها آدميتها على سبيل المثال لاالحصر، كما لاتوجد في العراق ثقافة نقدية أو حركة نقدية لها آليات معروفة وتقاليد واضحة تعتمد جدل الحياة وتطورها منهجا، يتماهى خطاب سومريون.نت مع الخطاب الثقافي في عمومياته، ويتمنى أن يقدم نقدا موضوعيا بناء على أن يقدم القصة والشعر، لكن ماذا نفعل أمام هذا الكم الهائل من النصوص الشعرية والقصصية غير نشرها!؟ صحيح ان هذا ابداع ايضا له جذوره في أعماق الثقافة السومرية التي أنتجت أشعارا نسختها الأديان وتعاليم وحكايات، لكن فقه الواقع ومتغيراته في أفق التحولات الجارية في العراق يفترض من المثقف ولكي يكون عضويا أي متماهيا مع قضايا شعبه المصيرية ووطنه أن يتصدى لهذا الواقع فمافائدة أن تقتل البنات والنساء في ذي قار مثلا في الجرائم البشعة (جرائم الشرف) على الشبهة ولايتصدى لذلك المثقفون والفنانون ولماذا تكرس الثقافة العراقية فكرة أن يقتل الانسان أو يعتدى عليه حتى نجلس ونتباكى ونكتب فيما بعد رثاء وتعزية!؟

لاشك ساهم المثقف في محافظة ذي قار برفد سومريون.نت بأعمال ابداعية رصينة لكن الموقع وأنا قلت هذا الكلام في رسائل وبالتلفون مع أصدقاء أعزاء يرغب في بلورة صوت ذي قاري جنوبي يتعاطى مع السياسة العراقية في العراق الجديد لاسيما وان القاعدة الجماهيرية آخذة بالتوسع ويزداد عدد القراء والحكومة تقرا والأحزاب والفعاليات السياسية وغيرها تراقب، نحن نريد أن يكون للمثقف في ذي قار ونأمل ذلك صوت قوي بعد عقود من الاهمال والجحود وهذا لايتأتى من خلال نشر الشعر والقصص والخواطر بل الدراسات والمقالات السياسية والنقد الموضوعي حتى تتطور الحياة وتغتني ويترفه شعب ذي قار.

* هل هناك دعم وتعاون معنوي من الحكومة المحلية لمحافظة ذي قار…؟

– لايوجد اي دعم وتعاون من أي نوع أو حتى تواصل بين سومريون.نت والحكومة المحلية في ذي قار التي قررت المقاطعة بعدما رأت سيلا من الانتقادات الموجهة الى عملها سواء في المقالات أو التعليقات التي نشرها أبناء ذ ي قار أنفسهم في سومريون.نت بعدما فاحت رائحة الفضائح في ملفات الفساد المالي والاداري، إن الحكومة لم تتعود على أسلوب النقد كجزء من التقويم الديمقراطي وإعادة الحقوق إلى أهلها والعراق حسبما نص عليه الدستور بلد حقوق والاعلام حر ينشر مايشاء بالمناسبة منعنا رئيس احدى المؤسسات في ذي قار قبل فترة من نشر اخبار مؤسسته وحذرنا وهو مالم يفعله مسؤول عراقي من قبل حسب علمنا المتواضع لكننا لن نحمل تحذيره على محمل الجد واستمرينا بنشر مايرد إلينا من أخبار ونقد موضوعي وموثق.

جدير بالذكر أن ايا من الموقعين المهتمين بشان الناصرية لايسمحان بنقد الحكومة المحلية ويقمعان آراء المواطنين في ذي قار بحرمانهم من تخصيص دفتر تعليقات ليعبر المواطن عن رأيه بكل صراحة وموضوعية وهنا تكمن أهمية الصحافة الالكترونية، إن الموقعين يمتنعان عن نشر النقد الموجه إلى الأحزاب الدينية والحكومة المحلية وكما ذكرت فان القائمين على الموقعين لاشأن لهم بمهنة الصحافة ولكن صعوبة الحياة خلال الحصار كتجربة مرة وتدفق الأموال على الأحزاب الدينية بعد التغيير جعلتهم يعتاشون على هذه المهنة التي يجب على من يتنكبها التحلي بروح المسؤولية امام شعب ذي قار وتأريخه ومستقبله!

* تعرض كادر سومريون.نت للاعتقال والمطاردة من قبل قائد الشرطة السابق ومن ضمنهم محدثكم.. ترى أين تكمن الأسباب!؟

– هذه من أغرب القصص في العراق الجديد حقا، ولعل مراسلي موقع سومريون.نت هم أول المراسلين في العراق يتقدمون إلى القضاء وكان ذلك في صيف 2007، على خلفية نشر خبر سيارة مفخخة في ناحية البطحاء وتقاعس مدير الشرطة السابق عن أداء واجبه على أمل أن يقوم به رجال الدين!، صدرت أوامر بالقاء القبض على الزملاء المراسلين أبلغت السيطرات ونقاط التفتيش في أرجاء ذي قار كافة ولم يكن الزملاء من أرسلوا الخبر بل لفيف من أهالي البطحاء الكرام!

تناولت الفضائيات العراقية والعربية الحدث بالتحليل وطالبت بالكف عن مثل هذه الاجراءات غير المتحضرة فيما أعلنت بعض المواقع تضامنها مع سومريون وأوقفت نشاطها، سلم الزملاء أنفسهم لأنهم أبرياء فعلا قبل أن يقول القضاء العراقي في ذي قار كلمته بتبرئتهم جميعا وإبطال التهم الموجهة إليهم، وبعد كل سكرة تتوضح الفكرة تبين أنه قصور تام في فهم آليات عمل المواقع الالكترونية ناهيك بالعمل الاعلامي الديمقراطي في العراق الجديد.

 

* تستعد هيئة التحرير هذه الايام للاحتفاء بالذكرى السادسة لتأسيس الموقع وهو الموعد الذي سقط فيه صنم البعث ماذا تقول لأبناء مدينتك في هذه المناسبة!؟

– كل عام وأنتم بخير وقلوبكم تطرق في قلبي كما كتب جبران خليل جبران، ولى العهد البائد وعلينا نسيان الماضي والانطلاق في المشروع العملاق : إعمار الانسان والمؤسسسات والتجديد والرفاهية للجميع..إعملوا من أجل شعبكم في محافظة ذي قار لديكم الثروات والعقول والآثار والأنهار دعونا نعمل من أجل توأمة الناصرية مع المدن الدينية في العالم ومن لها ثروات نفطية كالتي تجري تحت أقدامكم ومن تجري في أراضيها الأنهار فلدينا الفرات الخالد والأهوار السياحية الهائلة التي يمكن أن تعود بمردود اقتصادي يساعد على تطوير المحافظة ويرفه سكانها إجعلوا لشعب ومحافظة ذي قار صوتا مسموعا في العراق الجديد وشكرا لكم.