مقتل حارس الفنار
كنا في الناصرية نتحدث دائماً عن سر من أسرار البصرة : تعلق سُكّانها بها وعدم مغادرتهم لها، حتى بعدما نالتْ حصة مضاعفة من القصف المدفعي والصاروخي خلال السنوات الثماني للحرب العراقية الإيرانية المجنونة! كُتّابُ البصرة وشعراؤها وفنانوها من بين أبنائها، لا يغادرونها إلّا إلى معرض كتاب في بغداد أو معرض تشكيلي. أو لقضاء أمر ما. لكنهم سرعان ما يعودون إلى البصرة! محمد خضير ومحمود عبد الوهاب وحسين عبد اللطيف وقصي البصري وطالب عبد العزيز، وسواهم من الإخوة الفنانين التشكيليين الذين تشرفتُ بمعرفتهم. سَحَقَ غول الحرب في البصرة البشرَ والمباني والسفن ومواعيد العشاق! مع ذلك فإنَّ أهل البصرة - مثلهم مثل أهل الناصرية وسائر المدن العراقية - لا يغادرون مدينتهم. هم يمارسون حياتهم اليومية، وعندما يشتدُّ أوار القصف أو الهجوم على الحدود يختبئون.

ما لفتتَ انتباهي شاعرية محمود البريكان وحفرياته العميقة في الزمن والوجدان ولغة القصيدة الموحية. وتجاربه المبكرة في الحداثة العربية. وتحليق أشعاره في فضاءات مغايرة عن السائد. ندرة نشره وزهده بالمقابلات الصحفية كان علامة فارقة.
كنتُ أتمنى اللقاء به والتعرف إليه.

 

2

في العام 1984 كنتُ في حرب لا ناقة لي فيها ولاجمل، جندياً في القطعات الخلفية في بساتين أبي الخصيب، وتحديداً في منطقة حمدان. هناك كانت روحي تلوب بين النخيل مقطوع الرؤوس وبقايا الجذوع الشوهاء المحروقة (أليس عجيباً أن شظية صغيرة تكفي لإزهاق روح نخلة عملاقة؟!) فأهرب خلال النهار إلى البصرة. لا تبعد عن حمدان أكثر من ربع ساعة بالسيارة العسكرية أو المدنية لنقل الركاب.

أهرب من قصف المدافع إلى مقاهي الأدباء، وكانت هي الأخرى تصارع الموت، لكنها بقيت شاخصة بين بيوت حرثتها الحرب وأحرقتها.

في مقهى متواضع في البصرة القديمة تعرفتُ إلى عدد من الأدباء. سألتُ أحدهم
- أين يمكن اللقاء بمحمود البريكان والتعرف إليه؟
نصحني بالذهاب إلى معهد المعلمين بالعشّار في مركز مدينة البصرة، حيث يُدرّس الشاعر مادة اللغة العربية.

هكذا كان بدء الأمر!

كان لقائي الأول به في شهر نيسان من العام المذكور. قادماً من وحدتي في الجيش وبالزي العسكري!

اصطحبني حارس المعهد إلى غرفة المدرسين ونادى بأدب على البريكان.

جاء رجل في بداية العقد السادس من عمره، مهيباً ذو وقار تسبقه روحه في لطف وعظمة أرواح الشعراء الكبار. أيقنتُ في الحال بأني أمام أحد قمم الشعر العراقي، وقبل أن يقول  تفضل أخي صافحني بتواضع أهل البصرة

- اسمي فلان وأكتب الشعر!
-  أهلا وسهلا تفضل، ثم اصطحبني إلى غرفة المدرسين.

 

3

واظبتُ على زيارته إلى المعهد، مرة أو مرتين في الأسبوع، خلال شهرين تقريبا، قبل أن تغادر وحدتي إلى العمارة. كنت أضع بين يديه - في غرفة المدرسين - وأنا أرتدي بالطبع بزتي العسكرية، أسئلتي  عن الشعر والحياة والثقافة، وهو لا يني يحدثني عن الشعر، ويصف لي الأرواح الكبيرة التي كتبته عبر تاريخه. عن صنو الشعر: الموسيقى وأهمية التذوق والفهم، عن جدل الشعر والحياة والمنطقة القلقة بينهما. إذا علمني البريكان شيئاً فقد علمني بتواضع الكبار، محاذراً أن يجرح حساسيتي. وإذا أضاء منطقة بتواضعه ونور الشعر وصفاته نسيَ نفسه، وهو الشاعر الكبير حتى أني اخجل لتواضعه. يسرح البريكان في تأملاته بعيداً عن صخب زملائه، لكن أذنه الحساسة المرهفة تظل مصغية لما يقولونه، فهو شديد الانتباه لما قد يصدر من تعليمات جديدة تحت ظرف الحرب، رغم استغراقه في الكلام على الشعر. كان يُصغي لتوزيع الحصص أو سدِّ شواغر الأساتذة المرضى أو المجازين، مهنياً في عمله مثلما هو مبدعٌ في شعره.

 

4

ذات صباح كنا نحكي عن حداثة قصيدة النثر في غرفة المدرسين، وكانت إدارة المعهد تناقش طلباً من المنظمة الحزبية في البصرة، يقضي بإرسال عدد من الأساتذة والطلاب إلى أحد قواطع القتال في شرق البصرة. مَنْ مِنَ الأساتذة (سيتطوع) في ذلك القاطع وأي فصل من الفصول. أبدى البريكان امتعاضه ولم يمتثل للأمر كأنه لايعنيه، مسترسلاً في حديثه عن قصيدة النثر!

وانتبه المدير (وهو المسؤول الحزبي للمعهد أيضا) إلى البريكان الذي لم يَعِرْهُ أدنى انتباه، فقام من مكتبه وجاء نحونا، ثم رمقني بنظرة غير مريحة وقال بوقاحة موجهاً سؤاله للبريكان : أستاذ محمود منو هذا الأخ الكَاعد يمَّكْ؟!

رد البريكان على مضض، من دون أن يرفع رأسه : هذا صديقي، واستمر في حديثه!

انسحب المدير ثانية إلى مكتبه من دون أن يتفوه بكلمة واحدة!

- ماذا لو سيق البريكان إلى أحد قواطع الجيش الشعبي وقتل هناك؟!

 قلتُ في نفسي

5

أحببتُ دائماً أن نتجول معاً في العشار.
 هو يسهب في الحديث عن الشعر وأنا أصغي إليه، لا أحب الجلوس في غرفة المدرسين ببزتي العسكرية غير النظيفة وغير المكوية وبسطالي الكبير المتسخ، ناهيك بنظرات المدرسين الفضولية، المتسائلة عن سر الزيارات المتكررة لجندي مهمل في الخطوط الخلفية، إلى أستاذ وشاعر كبير (لا بد أنهم كانوا يعرفون ذلك)، كانت بساطة أستاذي بساطة الإنسان الذي يعرف ذاته وقوة حضوره من دون أن يفرّط بهما. كنتُ أصغي فقط وأرغب عن الحديث في حضرته، لا أعَقب ولا أسهب بل أطرح أسئلة في درب الشعر الطويل. وكان هو شاعراً كبيراً يعلِّم شاباً موهوماً بكتابة الشعر. أطرح عليه أسئلة أنا ابن الخامسة والعشرين المتلمس طريقه حديثاً إلى الكتابة، المعجب بشاعرية البريكان وصوفيته وزهده، تحت غيوم الحرب ومأساة العراق وكان المشهد أسودَ مدخنا، وارتسمتْ صورة خراب البصرة الفعلية على الأرض وليس في الذاكرة أو الأمثال الشعبية العراقية.

كان حضور شخصه في شوارع العشار يلقي على المدينة مهابة ابنها البار، الذي لم يغادرها إلاّ عدداً من المرات، وبقي فيها كأنه يكافح - بالشعر وحده - قاتليها ومخربيها.

أراقبه أثناء تجوالنا كيف يحاذر الناس ويحرك يديه، مدارياً خجله ملتفُّاً على سؤال ربما بدر مني لا يخلو من الشَّطط، أو الاندفاع أكثر من اللزوم، أو قصير النظر في آفاق الشعر الواسعة. أرى عينيه وأغوص فيهما إلى أعماق روحه المتسامحة الكبيرة، وكان يحب أن يضع إحدى يديه على فمه خاصة عندما يفكر أو يتأمل. أصغي إليه بفرح التلميذ أمام معلم واسع المعرفة كريما. ويحدث أحياناً أن يدقَّ عليّ فهم بعض تأملاته، لم أستطع الَّلحاق بها إلى غاياتها، فأطلب توضيحات، وهو لا يمل.

كنتُ في الحقية أحب أن يراني الناس أسيرُ معه في العشار، لاسيما المثقفون، أشعر بنشوة التجوال مع عارف ما زال يرى في الشعر نوعاً من الخلاص والحب وسط الخرائب والمتاريس في شوارع البصرة! في مخاض حركة الوجود وسيرورته، في كل لقاء معه أو جولة كنت أنتصر على الحرب من وجهة نظر جمالية محضة، ناسياً أسمالي العسكرية ولو إلى حين تنتهي جولتنا، استعداداً لجولة أخرى بعد يومين أو ثلاثة‍.

 

6

في واحدة من تلك الجولات العشّاريّة قلت له
- استاذ محمود..آنه أعتقد بعد ماكو شعر جيد بالعراق!

رد بسرعة حتى من دون أن يفكر
- شنو أنتَ تريد تلغي التاريخ!

- لا ألغيه لكن صار سنين طويلة ماقريت شعر زين!

أوضحَ الريكان يومها بأن شعرنا العراقي لا ينتهي، لأن مكوناته متوفرة في ثقافتنا التي تضرب في بطن التاريخ والزمن، وفي ضمير الناس، لدينا احباط وطغيان وقهر، وأن الشعر يأتي من النكد كما قال الأصمعي البصري!

 

7

زودتني اللقاءات والجولات مع البريكان بشحنة شعرية إضافية، لاحظتُ فاعليتها تظهر، عندما بدأتُ أكتب قصيدتين أو ثلاثة أو حتى خمسة في اليوم الواحد! قصائد قصيرة موزونة وغير موزونة، فيها كلمات أو أشطر قد تكون ضعيفة لكن لمجرد أن أكتب وأكتب، أو فيها ضربة شعرية واحدة ضمن مقاطع طويلة لا توتر فيها ولاصور شعرية! جلّ ماكنتُ أصبو إليه رأياً ما في ما أكتب، هل هو حقاً شعر ما شغفتُ به؟ أم تراني أسطّر خواطر لا تصمد طويلا؟! كنت أقرأ قصائدي في حضرته في المعهد والعشار خلال سيرنا الوئيد، وهو يصغي بانتباه، وأنا أسترسل.
 قال لي ذات مرة
- أنتَ من أكثر المتحمسين لكتابة الشعر الذين عرفتهم!

قرأت في حضوره الطاغي ذات نهار في غرفة المدرسين، مقطعاً كتبته في وحدتي العسكرية، أسميته قوة الأشياء

تتراخى…

قوة الأشياء في القوسِ

ويَختَضُّ طويلاً

ماؤها المهجورُ في النسلِ

وفي الطين

ضريحٌ يشحذ الأشياء

والأشياء ترتدُّ إلى الطينِ.

كان البريكان منتبهاً رغم صخب المدرسين، أذنه قريبة من فمي وأنا أقرأ بهدوء، كم أحببتُ إصغاء البريكان لي عندما أقرأ، بعد إتمام القراءة طلب مني القصاصة وقرأ المقطع بتمعن، ثم رفع رأسه قائلا:

- يا سبحان الله !

- ها أستاذ؟

- كتبتُ قصيدة غير منشورة تشبه هذه القصيدة إلى حد ما، وبنفس العنوان!

بالكاد أخفيتُ سعادتي بما قال ولم أخْفِها!
 أطرقتُ خجلا، كنت أشبه أحد طلابه في المعهد تفوق وحصل على درجات عالية من لدن أستاذه، حقيقة فكرتُ طويلاً في هذا الأمر حتى بعدما عدتُ إلى وحدتي في حمدان، سائلاً نفسي
- هل يُعقل أني أكتب قصائد تشبه قصائده؟ وبنفس العنوان؟!

8

أرسى البريكان لكتابة القصيدة المثقفة المقتصدة، من دون حذلقات لغوية أو زوائد لفظية، معمدة بنار الوجود والتجارب الكبيرة والقراءات الأجنبية والموسيقى، فتجاوز عصره.

إن قصيدة رؤيوية مثل (حارس الفنار) لهي قصيدة تتجاوز الزمن بحق، وتصلح للقراءة قبل ألف عام وبعد ألف عام. ليس لأن فيها من التأمل ما يمكن أن تتربى على موسيقاه الكونية أجيال من الشعراء، لكن لأن بناءها المدهش وأخيلتها تعبير حي عن رؤية متقدمة للوجود والمصير والمنطقة الرجراجة بين الحياة والموت، وهي في النهاية انتظار رحلة إلى المجهول. حيث يقتل البريكان بعد أعوام وكانت قصيدته نبوءة.

أنا بانتظار الزائر الآتي

أنا بانتظار الغامض الموعود

أنا بانتظار اللحظة الزرقاء كالأبد الأبيد

أنا بانتظار اللحظة العظمى

إنها رحلة غامضة في بحر الوجود قد تكون شبيهة في بعض أوجهها برحلة بحّار (كولردج) الذي يعود من إبحاره أكثر حكمة وأشد حزنا، لكن البطل في نص البريكان هو حارس الفنار نفسه، أي الشاهد والرائي المنتظر في مكانه، بينما تمر من تحته الأمواج حاملة السفن والجيوش. ويرى كيف تدمر المدن وتكون المجازر، ويشهد تشويه الأرواح جيلاً بعد جيل. وبعين عارفة يبصر تحت سطح البحر المدن الخفية والأموات والسفن الغريقة. والكنوز وسبائك الذهب والعيون اللامعة وأسلحة القراصنة الكبار والغرقى. وكل ذلك يجري في حركة إيقاعية أضاف إليها بحر الكامل موسيقى ملحمية، حتى المقطع الأخير المفتوح بالحركة القلقة لرقاص الساعة السوداء

أنا في انتظار

والساعة السوداء تنبضُ نبضَ إيقاعٍ بعيد

رقّاصها متأرجح قلق يميل إلى اليمين

إلى اليسار

إلى اليمين

إلى اليسار

إلى اليسار

 

9

كم كنتُ أتمنى لو أن البريكان بقي على قيد الحياة ليدرك سقوط الطاغية الملعون وزمنه الألعن؟

أتراها سلطة عادلة تلك التي ستحكم العراق بعد السقوط؟!

أيكون من أولوياتها العمل على إعادة الاعتبار للعراقيين؟!

إذا كان الأمر كذلك فإني أقدّر أنها ستقيم للبريكان تمثالاً بجانب تمثال السياب، وهو خليق به، ابن البصرة الفيحاء، وحان يوم العودة إلى السيد العراق الكبير، بعد زوال الطاغية والبيئة التي صنعته، سأضع باقة ورد على تمثالك يا محمود البريكان وأخرى على قبرك، وأذرف دمعة حرّى، وأقرأ قصيدتك التي أحفظها منذ ربع قرن، عن ظهر قلب

لو كان لي أن أطلقَ استغاثةً واحدةْ

عبر سماء الجليدْ

لَصِحْتُ من رُعبي الخفي الوحيدْ

القوة الطاردة.

OSLO/NORWAY
2003.4.14