رثاء عقيل علي

يا قمرَ الشُّعلةِ وياشمسَ الخبازينْ
يا أجملَ خَبّازٍ في هذي الدنيا الفانيةِ
وأشعرهم قاطبةً
رغيفك حار
دمك
يُلهبُ ظهر الينبوعْ!

في الدرب إلى بيتك
جوار شركة البيبسي كولا
رأيتك محتاراً قبل ثلاثين
مرتسماً في ظلٍّ

كنتَ كَمَنْ ضيَّعَ بَكرة
من يد خياطة ريتسوس في إحدى قصائدهِ
وتهاوى جسدك المعلول على كرسيٍّ
ثم طرق أحدهم الباب
فلما قمتَ إلى تخت المخبز
ارتبكتْ فيك معابد سومر : دخلتْ جوقاتٌ
خرجتْ أخرى
ولم ينطفىء الشمعُ.

تلفتَّ طويلاً
خرجتْ أوراق البار البيضاء
بيضاءَ
كما ولدتْها الصدفة!

لكن منك إليَّ
مع شديد الأسفِ.. لم يصل الفاكس المرسلُ
من عمّان إلى مخيم رفحاء عام 1992
مزَّقَهُ - سمعتُ -
بأن وهابياً أجربَ
يعبد صداماً.. مزَّقَه!

لكنْ وصلتْ آخر نصوصكَ واستمتعتُ بقراءتها
وكنتَ إلهاً : رأسٌ في أروقة المكتبة العامة
ويدٌ تَصلى في التنور
كنتَ الولد المنذور لنار الشعر
كنت (آلان ديلون) كما كنا نسميك
ليديكَ النسوانُ
وتحت : الرغبات الفائرة كشمس الباقلاء!

وحولُ جحيمٍ دانتيٌ في وطني؟!
فتتعذب أرواحٌ؟!
أم أنهار سود جارية فيقف شعر الرأس؟!

مسيلُ دم تحت قميصك
والقوادون البعثيون
سرقوا حقك في البيت
في الملبس
في المأكل
في العيش كريما!

…أخيراً
لم يحمل جثتك الطاهرة سائق أسعاف
- أنا إسلامي
والدين يُحرِّمُ حملَ المخمورينَ؟!
ما أخزانا ياألله؟!
ما أتعسنا؟!

على جسرِ النصرِ
الثملُ الشاعرُ
تُشَيِّعُهُ الأرواحُ الحارسةُ
من جبل الأولمب
جسر مدينتنا الراحل مع الأمواج
وشاخصةٌ في الأفق المجدور
أعينُ أجمل منتحرين : جواد ويحيى
وذراع سلام المقطوعة في الحرب تلوّحُ : تعال عقيل إلى المقهى
تعالوا يا كل الغرقى ومن كان بلا املٍ!

يا قمرَ الشعلة وياشمس الخبازين
رغيفك بارد في موقف باص الكرنتينة
قصائدك ساخنة في مشرحة الطب العدليِّ ببغداد
وإذ أقف مذهولاً بينهما
أسمع صرخة إدوارد مونك النرويجي
فتختلط السموات مع الأرضِ!

أوسلو 17.5.2005
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الشُّعلةُ : منطقة سكنية تقع في ضواحي مدينة الناصرية كان الشاعر يقيم فيها، ويعمل في مخبزه.
** جسر النصر في الناصرية كسرت ظهره جسرنا طائرات قوات التحالف في العام 1991 وسقط المئات من الأبرياء في نهر الفرات شهداء وغرقى.
*** جواد ويحيى صديقان انتحرا غرقاً في نهر الفرات في بداية الحرب العراقية الإيرانية.