حرب 80 لطارق  حربي
تجربة بانورامية جامعة لتفاصيل عن تلك الحرب.
باقر صاحب

غالباً ما تلح في داخلي أفكار عن مديات تمثل الأدب العراقي لمناجم أحزاننا العميقة في أعمال كبيرة، تترادف أسئلة كثيرة من قبيل، اننا لم نستطع تبين استيعاب حروبنا العقيمة، في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، إبداعيا، أو بعبارة أخرى، يمكن القول،عدم إمكانية الجزم بتفوق أعمالنا لإبداعية في تمثيل أدب الحرب المعارض.
لقد شوه أدب الحرب السلطوي الارتزاقي وجهة نظر الناس من عامة القراء إلى الأدب والثقافة عموما، حتى عدت جميع نتاجات أدب الحرب من وجهة نظر الغالبية ممن يتوجه إليهم هذا الأدب بصفتهم متلقين لما يكتبه الشعراء والقصاصون والروائيون، عدت متواطئة مع سياسة النظام المباد, من ثم مشاركة في تدمير البلاد وتقتيل العباد، لأن المؤسسة الإعلامية لاتروج أي نص لمبدع غير موال لها ولاء واضحا عبر نتاج منشور بتوقيعه، إذن خفي الجزء المنير الصغير حجما من الحقيقة، وتبدى للملأ الجزء الكبير المعتم.
أعتقد أن تلك المقدمة وجوب مناسب لإضاءة أحد الأعمال التي تنتمي إلى الجزء المنير من حقيقة أدب الحرب المعارض، ذاك هو ديوان الشاعر طارق حربي المعنون ” حرب 80″.
العنوان يشير إلى الحرب العراقية– الإيرانية، مآسيها أشد وقعا من أي استيعاب إبداعي لوقائعها لاسيما انها أطول حرب إقليمية في القرن العشرين. طارق حربي كرس المجموعة عنوانا ومتنا نصيا لحيازة التفوق الشعري لمعارضةحرب نعرف دروسها ووقائعها المفجعة، فالشاعر من مواليد 1957، الأكثر تضررا من تلك الحرب، سيرته تقول انه خدم أربع سنوات قبل الحرب وثماني سنوات أثناءها، معاناة شديدة خلال اثنتي عشرة سنة، جعلته يقول في أحد الحوارات ان تجربته في تلك الحرب قام عليها كيانه الأدبي كله، وبالتأكيد ان الشاعر يعد هذه المجموعة التي أصدرها هذا العام بينما كتب نصوصها في الفترة 1981- 1991، يعدها مرحلة أساسية في تجربته الشعرية، لذا ان دارس شعر طارق حربي، عليه أن يدرس البنى الأسلوبية والبؤر الدلالية في مجموعته تلك كي يستطيع الحكم بشأن وصف هذا العمل أحد الأعمال المتميزة في أدب الحرب المعارض.
نصوصية طارق حربي في هذا العمل صادمة، هي تجربة بانورامية جامعة لتفاصيل عن تلك الحرب، غابت عنا نحن من عشناها بفعل زحام الذاكرة بمئات التفاصيل عن حياتنا الشخصية والعامة، فضلا عن مآسي التسعينيات– حرب غزو الكويت والحصار، ومن ثم مآسي الإرهاب منذ منتصف العقد الماضي ولغاية الآن.
وتلك فضيلة أعمال الحرب الإبداعية توثيق مآسينا لنا وللأجيال القادمة. كما المرجعيات التاريخية، يفيدنا كتاب “حرب 80″ كمرجعية ثقافية تستثمر السرد والشعر معا في شعرنة تلك الفواصل المقززة في حياة يتلاشى فيها جوهر الحياة” يلله!!/ دارت عجلات المسلخ/ منتهرا قطعانه بنظرات صارمة/ قال الجزار/ منتهرا قطعانه بنظرات صارمة.
في كل لحظة من لحظات الحرب تتقافز احتمالات الفناء من حولك تهرب لحظات الحياة الحقيقية بعد أن قيدت في ذمم أعمارنا، اننا عشناها وما عشناها لأنها لحظات جدب ورعب وقتل مستمر لجوهر الحياة وجمالياتها:” النغمات تلاشت/ الناي في طريقه إلى المخازن /الراعي في طريقه إلى الحرب”
الحرب هي اللاحياة، والسلام بات جوهر حياتنا نحن العراقيين لهول مالاقينا من مصاعب، ظروف استثنائية على الدوام. طارق حربي أدركته هواجس الغربة وأكلت ثلثي سني حياته منذ ان لبس الخاكي، ولغاية الآن. ملجأه البارد، أوسلوعاصمة النرويج، كما يرى حربي، تفتقد مظاهر الحياة الحميمة مثل نظيراتها باريس وبرلين وغيرهما من العواصم الأوروبية، لكن عزاءه ان أوسلو تمنحه السلام والأمن، هذا ماذكره في حوار آخر أيضا، وهما مفتقدان منذ أكثر من خمسة عقود في عراقنا، ولذا أصبحا درة الحياة الثمينة عندنا وماعداهما تحصيل حاصل، ومن هنا فضيلة ” حرب 80″ تذكير إبداعي لفقداناتنا، وتطويب لملامح حياة جميلة طعننا في السن سريعا ولم نعشها، آمالنا معقودة على أن تعيشها الأجيال القادمة.

 
حرب 80 قصيدة تدوين الوجع
عزيز التميمي

حرب 80 ، أو قصيدة الحروب التي شيّدت ذاكرة مجتمع ، أو لنقل ذاكرة أجيالٍ مفجوعة ، في ديوانه “حرب 80 ” يعيش الشاعر طارق الحربي في ذاكرة أيامه وسنينه ، في ذاكرة
جغرافية نبتت في عمق جراحه وآهاته ، يلم نياشين معاناته في صحيفة تتناول اليومي المرئي واللاّمرئي ، تاريخ الحكاية التي يرويها قصّخون سمع ورآى ليقول للجيل الآخر هذا كل ما استطعت أن أسميه . يستطيع القارىء لقصائد طارق الحربي أن يكتشف الثيمة الرئيسية التي توحد كل قصائد ديوانه “حرب 80″ ، والتي تعكس الرؤية المشتركة المؤسس عليها البناء الفني في القصيدة ، مجموعة القصائد تؤدي إلى بناء مسرح قصيدة الوجع ، وقصيدة الوجع هذه تتشظى إلى عدسات ترافق الحدث في نموه الزمني وانزياحه المكاني ، تبتدء من الأزل ، لحظة الوجع الأولى غير المحسوسة ، لحظة ولادة الحياة وتغيير البيئات ، حيث التكوين المنبثق مع نزعة المعرفة وحب الإكتشاف ، ومنذ اللحظة التي يرتسم فيها اليقين من خوف الآتي بدافع الحرص على الموجود ، تنمو فلسفة مقاومة هاجس الإستلاب ، ذلك الهاجس المتسلل في كل التسميات ، ينمو الحلم موازياً لهاجس الذبول ، وتنمو الرغبة في الحرية موازية لرغبة التمرد على واقع موشوم بالعبودية ، وهكذا تنساب القصيدة مع مفردات الأشياء ، اليوم العادي لا يذكر ويوم الخطب يسجل تأريخاً ، لا يسكت الزمن ولا يسيل مثل يسر الساقية ، تأتي الولادة فرحة لتأتي معها مرارات الخوف من خدش تلك الفرحة ، ولكن القصيدة لا تستمر في التستر بحكايات القصّخون الذي يتاجر بتاريخ من الرماد ، ترفع القصيدة التي تعنون نفسها لمجموعة القصائد نداءها لتعلن لنا عن نيتها في سرد فلسفة الحرب ، الحرب التي تأتي برغبة الكثيرين وبرفض الكثيرين ، إنما في كل الأحوال تأتي وتسوقنا شئنا أم أبينا إلى دواوينها لترغمنا على مراجعة كل الحسابات الممكنة والغير ممكنة في خوض تجربتها .


لم تتمهل القصيدة في ” حرب 80 ” لتسرد المقدمة المعتادة في كل المدونات الأدبية والتاريخية والفلسفية ، بل هي المقدمة المتن ، أو لنقل هي تبتدء من آخر الحرب لتحكي لنا قصة نشوب الحرب ، ثم تطرح تساؤلاً مخيفاً عن حقيقة مفردة الحرب : هل الحرب بديل أم اختيار ؟ ، وحتى تتشكل الصورة الأكثر إقناعاً بواقع الحرب ، نجد أن القصيدة تتلمس مفاهيم كثيرة تساهم في صياغة التصور الكلي لمفهوم الحرب بعيداً عن صورة الدمار المفزعة التي تعرّف الحرب كأداة للقتل المباشر ، وكأنك لو أمعنت النظر في حادثة سكوت الناي الذي يرسم الوجع معزوفة غارقة في هالة الحزن تقرأ الحرب في لحظات الصمت القسرية تلك ، سقوط النخلة التي تهب الحياة كل ما تملك ، الثمار والظل والسعف والصدى ، تجد أن الحرب تكمن في سرفة المجنزرة الغاضبة التي غرزت أسنانها الصدئة في جذع النخلة ، التجنيد الذي يفرض شعائره في دفتر كئيب يسمى دفتر الخدمة ، ويحول رغبة الدفاع عن الأرض من حلم إلى كابوس ، لا أحد يرفض الموت من أجل بيته وأمنه وقيمه ، إنما الرفض يكون حينما يعاد تسويق المفاهيم في لوحة الحرب .

إذن القصيدة في ” حرب 80 ” هي قصيدة تدوين الحرب بكل تماهياتها وتجلياتها ، الحرب التي عاشت مفهوم الحداثة بكل إشكالياته ، وتجاوزت منطق القتال في ساحة المعركة ، ولعل الجانب المضيء في معالجات القصيدة هو الرصد الدقيق لإنفلات المسميات ضمن مفردة الحرب ، الحرب التي فقدت جانبها الإنساني في الدفاع عن الجمال والحرية ، الجانب الذي يتفق الجميع على أنه هو الحسنة الوحيدة المدونة في أسطورة الحرب ، فكانت التشظية غير المنصفة ، تبتدء القصيدة مع حكاية الوجود والأزل لتنشىء جدلية الخوف والدفاع التي صادرتها فلسفة الحرب ، إقتلاع كائن ما يعني تدمير جزء كبير من مرتكزاته ، تلك المرتكزات التي تسعفه في هضم الحياة ، ويتم رصد الطقس المترتب ، رصد عذابات صغيرة وتقلبات ووجع ، أي رصد الحياة خارج كونها حياة ، القصيدة تتشكل مع تداعيات الذاكرة المسموح لها أن تقرأ ، الذاكرة المقموعة التي تعاني من عاهات وأزمات ، ولافتة طويلة وعصية الفهم ” الحرب طويلة ولن تسمح لأحد بأن يمارس الحياة ” طويلة ولن تنتهي ، ربما هو تصريح أنتجته الذاكرة كمفهوم لإستساغة فكرة الحرب .

الحرب تنتهك كل حقل من حقول الحياة ، هكذا تخلص القصيدة عند طارق الحربي ، الحرب تنتهك العادي والمقدس ، المستور والمعلن ، وتنتج نصوصاً وتدوينات تؤسس لمفاهيمها وتؤدلج لنظرياتها ، تستبدل أوكار العصافير والطيور بصافرات الإنذار والفزع ، وتخلي السطوح من حبال الغسيل وحكايات العشق لتنصب فخاخ إصطياد الطائرات والمقذوفات ، الحرب تشوه وتؤسس ، الفلاحون يحفرون الخنادق بدل الحقول ، والأب يقتل ابنه وامتداده في الحياة في موسوعة الحرب الحديثة ، والناس تستحيل جنوداً في كل الأمكنة والأزمنة ، يحملون حقائب ملأى بالتساؤلات عن موعد نهاية الحرب وبدء الحياة ، وكل شيء في القصيدة مسخر من أجل فلسفة الحرب ، العنوان الكبير الذي قصدته تشكيلات المقاطع ضمن هذه القصيدة الطويلة التي أرغمت الشاعر على قراءة كل شيء في تراثه وتاريخه وهمومه ومشاعره ، سافر حافياً في طرقات لم تعرفه ودس رأسه في أفنية محشوة بالنظرات الحمر ، تكلم مع كل شعوب الأرض وبكل رموز المعمورة ، بكل أساطيرها وخرافاتها ، وشكّل من أرض الرافدين مجرّة كونية تسيب معه في صباحاته ومساءاته ، نقّب في دهاليز التأريخ المكتوب والمحفور عن ثيمة تشبة ثيمة الحرب في أرض السواد التي فقدت سوادها ضمن موسوعة الحرب الحديثة ، وحاول جاهداً أن ينشر بنود تلك الفلسفة الجديدة كمعلقات ضمن أساطير الشعوب .

تعكس القصيدة في ديوان ” حرب 80 ” نزوعاً فطرياً عنيداً لمفردة الحياة من خلال الوطن ، وتطرح إشكالية إلإنتماء ، فنجد الكثير من الشعراء والكتاب العراقيين وبرغم مسافات البعد الجغرافي والزمني يأبون إلاّ أن ينطقون بلغة الحياة والحب وتداعيات الهم الإنساني من خلال تأسيسات البيئة الأصلية التي شكلت وعيهم وفلسفتهم لتكون مدخلاً لعوالمهم الإبداعية ، إذن القصيدة في ديوان طارق الحربي هي عدسة راصدة لتحولات الفهم المؤدلج لفلسفة الحرب ، الحرب التي تتيح لها نظرياتها المستحدثة بتسمية كل مفردات الحياة ضمن مساحات ساحاتها ومحارقها ، وتظهر اللوحة الأكثر بشاعة في فلسفات الحروب ، قتل ، حصار ، تهجير ، تجويع ، ترهيب ، مقابر جماعية ، جرف حقول ، إغتصاب ، عبث ، سمسرة ، متاجرة في التاريخ ، متاجرة في الدين ، متاجرة في الأخلاق ، ذبح طفولة ، لتقول لنا القصيدة هذه فلسفة الحرب ضمن منضور الحداثة .

………………………
* (حرب 80): عنوان المجموعة الشعرية التي تحوي مجموعة من قصائد الشاعر طارق الحربي والتي كرّست لتناول كارثة الحروب في العراق .



طارق حربي : ماهية الحرب و المنفى
منى كريم


بمرارة بليغة و غصة بحجم وطن يقوم طارق حربي بإطلاق ضحكة ساخرة في وجه الحياة ، يحملها بين ثنايا قصائده محملة بآثام الحرب المتناثرة فوق أرواحنا . تجربة طارق حربي ملفتة للنظر ، بامكانها أن تضعك في مشهد متحرك و ممتلئ بتقاسيم الدبابات و الصواريخ ، انك ببساطة تامة ستفر إلى دمعتك خجلا !!

في قصيدة ” ساعة الصفر قبل الغروب ” يُوجـِد حربي طيران خاص به من أجل العودة إلى الوطن عبر محاولة حلم و بكاء ، إنه يسافر عبر الأمكنة

والوجوه و التفاصيل و لا تقف أمامه سوى رصاصة لطالما مزقت أشرعة عصفور عراقي .

” حتى هذه الساعة

ماتزال قدمي

تذرع شوارع الوطن

بينما وجهي في المنفى

يقشر برتقالة

أمام التلفزيون ”

إنه يحاول الارتماء على حائط الحقيقة ، الحقيقة التي يصفها انطونيو غرامشي إنها بحد ذاتها ثورية ، و لكن بعيداً عن الأيدلوجيات تكون الحقيقة بين أصابع طفل الناصرية وطن راسخ اليقين :

” حتى تفر دمعة

في فراغ سيكتب :

بلادي رسوخ اليقين ”

لا يمنع الشاعر نفسه من الضحك موجها دعوة شاسعة إلى جميع الكائنات لمشاركته سخريته اللاذعة من الحرب / المنفى / العسكريتاريا :

” دعونا من الشرق والغرب

وما تفعله (ناسا) في الطابق الثاني!؟

على قفاها

تعالوا نضرب حاملات الطائرات


على قفاها

ونغرق أطفالها في مياه الخليج! ”

و ها هي الكائنات الأخرى بألمها الكبير تقبل دعوة طارق :

” انكسف الحب

قلبت الشمس شفتها السفلى

انكسف الحب ! ”

حينها يؤكد حربي للعسكريتاريا سقوطها أمام شظايا الإنسان و كينونته الضائعة :

” لأن جوهر الإنسان

مهمل في مختبراتك

ولا تلقين عليه نظرة ”

هنالك دائماً حديث متبادل ، عتب ، شتائم ، حوار بأطراف مشتعلة بين القصيدة و الحرب ، بين الإنسان و الحرب :

” لقد استعرت ، الكثير الكثير من أعمارنا

أيتها الحروب و لم ترجعيها ”

في نص ” باب المُراد ” يخلق المكان إحداثية سرد مطولة و تفصيلية ، أن للمكان ( العراق / الناصرية ) أهمية كبيرة لدى الشاعر و محورية تحرك الكلمات عبر خطة رحيل إجباري و عودة حتمية .

” أنا شراعُ الجنوبِ، شراعُ الفقر والبطالة أمخرُ عُبابَ أزقة الناصريةِ ولي جلبابٌ من التمر والمرق البائتِ، ولهذا أصعدُ فيكِ لأرى أقاصيك البعيدةِ، ثم أهبطكِ عطشانا وفمُ النهارِ مغلقٌ بالشوكِ والحلفاءْ ”

يخطط الشاعر منذ ولادته للعودة من و إلى الوطن ، عودة الذات ، عودة الفرات الذي يرمز في حركة مياهه لاستمرارية حياة ، لأناس يتنفسون بأريحية و دونما خوف أو فزع على أجساد أطفالهم ..

” من وراء وسادة

غالبا ما أزور وطني من وراء وسادة !


فأسمع قرقعة السياط

صاعدة نازلة

نازلة صاعدة

تجلد ضفاف الرافدين

وكما في دور السينما العراقية

تظلم الدنيا

وأصرخ عاليا: أريد أن أعود من وطني سالما ! ”


تأثيث حضارة الوهم.. قصيدة (أوروك) لطارق حربي
وديع العبيدي

( في الطريق إلى تحرير الذاكرة العراقية )
ليس للتمرد لغة، لأن التمرد بحدّ ذاته لغة، ولكن اللغة بحدّ ذاتها ليست تمرداً. التمرد رفض ونقض وإلغاء وتفنيد، بينما اللغة توصيف وتأسيس وتزويق وتثبيت. ولتحويل التمرد – في هذه الحالة- إلى لغة، يلزم التيسر على خيط رفيع من الأبجدية، خيط لا يرى بالعين المجردة، ولا تقطعه صلة المكان. هنا يظهر مأزق الشاعر. ليس مأزق الشاعر وانما مأزق اللغة. فاللغة وظيفتها التوصيل والاعلان، وهو ما لا يتسق مع اللغة الجديدة التي لا تملك من الأبجدية غير تراكيب المفردات، بينما تنفصل عن دلالاتها وتنأى بنفسها متنكرة لأيما صلة بالواقع، أي واقع يحتمل الشبهة خارج الشعر.

يربط أحد الأطباء بين تأثير بعض الأعشاب (المخدرة)، وبين اضطراب وظائف زوايا معينة من المخ، تختصّ بإدارة منطق الخطاب، أو تجميع الجملة أو تسوية بنية المفردة السليمة، أو الربط ما بين الجمل وتتابعها، أو بينها وبين معانيها، وبلاغة الصلة ما بين الصورة الراهنة والصورة التذكرية، إلى آخر ما هنالك من عمليات (وظائفية) معقدة غير منظورة يتولى (مخ) الشاعر القيام بها لإنتاج (نص) شعري، تعارف عليها القدماء بكلام الآلهة أو سجع الكهان أو حديث الألسنة أو طلاسم العرافين أو شيطان الشعر أو الوحي والموهبة وغيره ذلك.
وحده الانقلاع من سايكولوجيا المكان ونظرية التوازنات الذاتية، يضع الانسان أمام تهديدات العدمية. ووحدها هذه تقوده للبحث، للتشبث، بأية عشبة لا تفلت قيادها، من أعماق البحر أو الصحراء أو التاريخ. وقصيدة (أوروك) هي عشبة (طارق حربي) في الطريق لتأسيس جمهورية (الوهم) على غرار مملكة أوروك المتحدة بقيادة الملك الضليل جلجامش ، أو على أنقاض جمهورية (رفحاء) بقيادة الأسرى العراقيين في توقهم للخلود الشعباني. ينتظر طارق حربي طويلاً حتى يقول كلمته، ولا يمضي. يبقى واقفاً. الكتابة عنده عملية حفر، والقلم عنده (إزميل)، لأنه هكذا تعلم ابن أوروك فسميت لغته [مسمارية] [Keil Schrift]. الحفر أيضاً، غير مقطوع الصلة بطريقة برايل، الخاصة بالعميان، ولكن طارق حربي لم يكتب قصائده (للعميان) بالمرة. لكن الزمن الذي يدفع الشاعر للكتابة هو (أعمى)، ولفتح بصيرة الزمن الراهن، يحتاج الشاعر إلى (إزميل)، يحتاج إلى حفر. هذه الإشارة الخفية وردت في [دابادا] عندما ولد (طفل) بنتوءين بدل العينين، فتولت (الداية) توسيع النتوءين إلى فتحتين للعينين. و[دابادا] غير مقطوعة الصلة بالجذور التاريخية والنصوص المسمارية لوادي النهرين. ومن واقع (الإزميل) والعينين والحفر المسماري. قصيدة طارق حربي تقترن بزخم نفسي معتلج، مرتبط بجذور عارمة من اللم والمعاناة المغلقة في تربة الواقع. وهو في هذا يختلف عن كثيرين، بأنه يكتب عن مكابدة، ويصدر عن يأس، ومع ذلك لا تتأكد الذاتية صفة معلنة في قصائده، وانما تبقى مقترنة ومتناظرة مع (ضمير جمعي)، ولذلك دلالة مهمة في قراءة سيرة الشاعر.
*
المرجعية التاريخية للراهن..


تبدأ قصيدة (أوروك) عبر حاسة العين والنظر..
في النظرة المنحرفة لأسد بابل
يتفنن الشاعر، في استفزاز موضع الألم أو تحفيز مكامنه السحيقة، مثل التقاط مفاجئ لشعرة حاجب، تسحب خلفها خيطاً من دموع، أو دمعة طولية بشكل سوريالي لذيذ. من المحتمل أنه لا يتفنن، قدر ما يتماهى مع الألم الذي أسبغ عليه الواقع لمسات غرائبية ووحشية (حميمة). لم يقل (نظرة منكسرة) بدلاً من (نظرة منحرفة). فالأسد، لا ينظر بانحراف، فهل ينظر بانكسار؟.. ليس أسد بابل أو أوروك هذا الذي ينظر بانكسار!. الانحراف أو (حرف النظر) هنا دالة على اللا مبالاة، أو الاستنكار، أو الالغاء، أو التفنيد، أو التمرّد. ولكن لماذا (بابل) في [أوروك]. تقول رؤيا يوحنا (2:18) [وصاح بأعلى صوته: سقطت، سقطت بابل العظمى، وصارت وكراً للشياطين ومأوى لكل روح نجس ولكل طائر نجس مكروه](!) ثم في (6:18، 8) [افعلوا بها كما فعلت بكم، وضاعفوا لها جزاء ما اقترفت. في الكأس التي مزجت فيها للآخرين، امزجوا لها ضعفاً. (8) لذلك ستنقضّ عليها البلايا في يوم واحد، من موت وحزن وجوع. وستحرق بالنار]. وفي هذه الرؤيا تتخذ بابل صورة امرأة [والوحش الذي يحملها، صاحب الرؤوس السبعة والقرون العشرة] (7:17)، في صورة أسد أو ثور. خلفت بابل رموزية (الأسد)، ونينوى رموزية (الثور) المجنّح. فقط عندما تضيع بابل، يتم استعادة تاريخها. استذكار ذلك الجزء المنشرخ من جلدة الحضارة. ولكنه استذكار استنكاري معاصر برموز تاريخية وميثولوجية. لا يتورع عن تعرية الحاضر على دكة التاريخ القديم، وتعرية الخطاب الديني من سطوة الخرافة.
رغم أن النص يحمل إسم (أوروك) المدينة التي نجت من الطوفان، يلجأ الشاعر إلى المدينة الثانية، مرمزاً لها بالأسد (أسد بابل)، مستعيراً من الأسد عينيه. ان بابل ورثت شعلة (الروح) السومرية ومضت بها شمالاً. من الأسد المتأمل، إلى (الثور) السّماوي بجناحيه بدلالاته الغنية والمتعددة، في مملكة (آشور) أو الحضر،[ في الطيران المعادي للثور المجنَّح]. وصولاً لتعبات الراهن وتداعياته..
*
دوال النهر.. العبور.. والغرق..

في النهر أصدقائي السعداء بغرقهم
للنهر هنا دلالة مزدوجة، الأولى تاريخية ميثولوجية، تحيل على الذين عبروا (النهر) حسب (جواد علي) في مفصله عن [تاريخ العرب قبل الاسلام]، والثانية راهنية، ملتصقة بالتوق إلى الخلاص ومآلها الخائب، المرتبط بغرق ألوف العراقيين في بحار العالم بدء من بحر أيجة والبلطيق والمحيط الهندي إلى شط العرب والخابور. وتتحد كلتا هاتين الدلالتين في قصة بحث جلجامش التي يقطع فيها البرّ والبحر سعياً وراء العشب.
يقف النهر قاطعاً سبيل استمرار الشاعر في القراءة التاريخية الميثولوجية، للعبور نحو الداخل، مستهيضاً العمق النفسي الذي فتحت (كوته) مفردة [الأصدقاء] الغرقى، وهي الصورة نفسها التي شغلت مسرح قصيدة [كمن يحاول اصطياد النسيان بالذكرى] للشاعر مهدي النفري وهو يذرع شارعاً هولندياً مستغرقاً في شوارع طفولته في مدينة (السماوة). كما تلتقي مع فكرة (الغرقى) في قصيدة (ضحايا العالم) للشاعرة رحاب الصائغ..
ما.. أشقى خيالاتي
الغنية بكَ
يا نهرَ فؤادي
بحق ضحايا العالم
الذين سافروا غرقى
بقوارب قلوبهم
على غرار (النفري) يسلم طارق حربي نفسه لجريرة الذكريات واستبطاناتها، غير أن تذكراته تخرج من حيز الذاتية إلى حيز الأصدقاء، وتتولى تلخيص المشهد في (إطار) الحروب، مبتعداً عن (النفري) قليلاً، ومقترباً من وسام هاشم ونصيف الناصري وحسن النصار وعامة المشهد الثمانيني في المدونة العراقية. ان الحرب والأصدقاء شكلت ثيمة رئيسة لدى وسام هاشم ونصيف الناصري، مع فارق راهنية المشهد وسخونة الحالة، التي تمثل استطراداً لمفكرة الحرب واستمراراً لآثارها وأهوالها الممتدة إلى ليالي الغربة والمنفى. بينما اقتصرت هنا على الذاكرة ومستودع ألبوماتها، أو الخروج منها إلى ثيمة الحرب (الحروب) نفسها كحالة كريهة ترفض الانعتاق. ولكن بينما كانت الحرب في إطارها العام، تعني حرب (الثمانينيات) أو حربي الخليج الأولى والثانية على أبعد احتمال، فأن طارق حربي يضيف إليها مشهد (انتفاضة) [6 مارس 1991] ومآسيها التي فاقت ويلات الحربين على الصعيد الاجتماعي والداخلي.
خرجنا
اقمنا الخيام في عراء الدول
في الخراب الذي أخذ العراق بين اصبعيه
ثم يحاول الشاعر الخروج من الميثولوجيا والعودة من الذاكرة لمتابعة بانوراما الواقع عبر الانتفاضة والتشرّد على حدود الدول المجاورة والحصار وصواريخ الطائرات المغيرة. ان تداخل أجواء الشعرية والموضوع في قصيدة (أوروك) مع قصيدتي (كمن يحاول اصطياد النسيان بالذكرى) لمهدي النفري، و(الوعل) لوسام هاشم يجعل منها لوحة مشتركة تساهم كل منها في تقديم زوايا جديدة وتفاصيل غنية ومشاعر لمّا تزلْ نازفة ومتدفقة.
*
حرف الجر (في) ودالة الانعكاس نحو الداخل..


في النظرة المنحرفة لأسد بابل
في الطيران المعادي للثور المجنَّح
في حيرة جلجامش أمامَ سيدوري
في النهر وأصدقائي السعداء بغرقهم
في ذكرياتي التي نسيتُها
في منتصف ليل ساعة البلاد
في اللصوص
في الحرب التي رجعتْ من أخي بجثّتها
في الصواريخ التي قصفتْ أحلامنا
في الخراب الذي أخذ العراق بين اصبعيه
في المناسبات
في الرمق الأخير لصوت المؤذن
في الحصار الذي فصل الرغيف
في عطر المعلمة
في رؤية عدنان فالح للجمال الإغريقي
ثمة ظاهرة لغوية رافقت معمار القصيدة، جديرة بالذكر، وقد يشكل تجاوزها في القراءة نقصاناً في الرؤية. تلك هي دور (حرف الجرّ) [في] المستمرّ مثل خيط دموي على طول قامة القصيدة دون أن تلحظ له تكملة مباشرة. وهي دالة استمرار تشنج الحالة النفسية المرتبطة بصورة محددة في قعر الذاكرة، فيكون انقطاعها أو توقف تكرارها في استهلال الجمل الشعرية المترادفة، بمثابة تنفس الصعداء، وظهور حالة من استرخاء نفسي، تأخذ عقبه القصيدة نموها أو تدرجها الطبيعي. فالخروج من (لازمة) اتكرار، يساعد في التحرر من وطأة لحظة نفسية قاهرة، ومغادرتها إلى مستويات جديدة قد تضفي ألوان منوعة تخدم النص وتمنحه غنى دلالياً. دخول حرف الجرّ يحيل جملة المبتدأ إلى (شبه جملة) في محل رفع (خبر مقدم) دون حرص على استكمال بنية الجملة النحوية. ان حرف الاستهلال في الجملة أو القصيدة له دلالة نفسية عميقة في جوانيات الفعل أو المرجل السمبثاوي، ويتخذ صورة (مفتاح) قد يصوّر الفرح والاغتباط، كما يصوّر الخيبة والاحباط ممثلاً في استخدام حرف (في) ذي الرسم الكاليغرافي الملتوي والمنطوي على نفسه مجسداً قلق (كائن) متكوم على نفسه (قدميه)! او دلالته المعنوية المشيرة نحو (داخل الشيء) [فيه] : في الذهن، في الذاكرة، في الشعور والأحاسيس، في الذات والنص واللحظة الراهنة. وهي الذات المترهلة بذاكرة الهزيمة والخيبة والألم.
*
تحرير ذاكرة الشاعر..

هذه العوامل النفسية والعاطفية، ما زالت تنعكس في علاقة الشاعر مع اللغة والصورة بنبرة حادة، وفي الاسلوب والثيمة، في حال من التشاؤم والانغلاق على الذات ورفض (الآخر)، كما يتضح في قصيدته (طالت لحية ابن لادن في هذا البلد الآمن). بعبارة أخرى، ان الشاعر لما يزل يعيش داخل الوطن، في ذات اللحظة التاريخية التي حملته لترك بلده. واستخدام إسم الإشارة (هذا) الدالة على البلد، ناهيك على الصفة الملحقة (الآمن)، يرفض الاعتراف بحالة القطيعة مع الراهن. ان تجميد اللحظة الزمنية وإضفاء طابع السرمدية على خيبة الماضي، يقتضي من الذاكرة الأدبية عقد هدنة مؤقتة، أو حالة صلح أو تطهير، للحصول على زوادة الاستمرار في السيرورة الزمنية والتاريخية للحاضر. كما أن اعتبار (الراهن) استمراراً لذلك الماضي، يشكل عبئاً نفسياً، لا طاقة للذات الانسانية باحتماله. ان معدل عمر الانسان في الشرق الأوسط ستون عاماً في الأحوال الطبيعية، ونصف ذلك في هذه الظروف المضطربة، وعمر التاريخ يزيد على عشرة آلاف سنة. ان منح عمق تاريخي قد يغني النص، ولكنه ينهك الوعي الانساني والذات الشعرية، ناهيك عما يشكله ذلك ضمنيا، من انعدام الصيرورة التاريخية أو منطق التطور الطبيعي للأشياء. أكثر من ذلك، انه يعيق نشأة علاقة صحية جديدة للشاعر مع المكان الجديد (النروج)، فيقع ضحية الضغط النفسي والذاكرة الحسيّة المثقلة، ويتكشف، في حالة الانشطار بين الشاعر المتعلق بلحظة ماضوية وجغرافية ذاكروية، وبين أطفاله الأبرياء وهم يترعرعون في أحضان الأمن والدفء الشمالية.
الحالة العراقية التي تعيش كابوسا متواصلاً منذ أربعة عقود، بحاجة إلى عملية تفريغ للذاكرة وإعادة أرشفة وتبويب. بحاجة إلى بطاقات عنونة جديدة، ومفاتيح دراسية غير تقليدية. بحاجة لوضع تعاريف وفهارس جديدة، لأشياء كثيرة، أو لكل شيء، وفي المقدمة منها، ذلك الوطن، أو هذا البلد، والانسان، والحضارة، والراهن.
ــــــــــــــــــ
نص قصيدة.. (اوروك)
للشاعر: طارق حربي (النروج)


في النظرة المنحرفة لأسد بابل
في الطيران المعادي للثور المجنَّح
في حيرة جلجامش أمامَ سيدوري
في النهر وأصدقائي السعداء بغرقهم
في ذكرياتي التي نسيتُها
ونَسَبَتْها الحروبُ إلى نفسها
في منتصف ليل ساعة البلاد
في اللصوص
وهم يُصعّدون الغنيمة إلى فكرة ما
لم يكسروا قفلا
لم يلبسوا قفازا
في الحرب التي رجعتْ من أخي بجثّتها
في الصواريخ التي قصفتْ أحلامنا
وزلزلتها تسع درجات على مقياس ريختر
خرجنا
اقمنا الخيام في عراء الدول
في الخراب الذي أخذ العراق بين اصبعيه
وما يزال السذج من أبناء شعبي
في المناسبات
يرفعون أصابعهم
يسمون الموت نصرا!
في الرمق الأخير لصوت المؤذن
في الحصار الذي فصل الرغيف
عن صدر أمه قائلا:
كوني صفراء يا أرض السواد
في عطر المعلمة
حين صادفتها بثياب الحي الصناعي
في رؤية عدنان فالح للجمال الإغريقي
أواه..
لقد كبروا جميعا
أيها الوطن
((غُصصتُ منكَ بما لا يدفع الماءُ ))*
اهزّ نخيلك فلا يسّاقط تمر
تسّاقط صواريخ تعبرها القارات!
* * *
حلمتُ في الليلة الماضية
بأني أجلس على هضابك
بعيدا
بعيدا
مع الرعاة سرحتْ عيني
مع الرعاة
…..
اغلقتِ النجوم نوافذها
ونام كوكبنا
من السرير
هويتُ
تدحرجتُ
حبر كثير
من الرافدين سال
حبر كثير
عندما فتحت عيوني
رأيتُ جرادة هائلة تترنح
تسد الأفق
تجر وراءها
حقولا ًجرداء من شدة الخوف
* * *
إلى يسارك أيها الوطن
ذُرَّ رمادها
انطفأتِ المعجزات وَذُرَّ رمادها
إلى يمينك
تلك النسخة المصحَّحَة من وجنة الليل

متاهة!؟
لكن أية متاهة!؟
اشهد أن مثل خريف الكلمات
لم تمر بنا متاهة
مواسيرها باردة
الألفاظ تلعلع لكن مواسيرها باردة
انما العيون تنطق :
تنقصنا راية مرفوعة بالضمة
لا تجرنا إلى الحروب
ولا تكسرنا أمام أنفسنا!
* * *
ما طبُّك أيها الوطن ما دواؤك :
اين دينارنا الأزرق!؟
تركع له آلهة البنوك
حبره (يزغلل) العيون وتركع له آلهة البنوك
المرابي إلى عين الشمس يرفعه
فيرى خيطاً رفيعاً
من دماء العراقيين لم يُزوَّرْ بعد
* * *
الهي…
شعبي يلعب الدومينو
تحت صورة الجنرال في المقهى
امتي تضحك
فتبين أسنان الفقر والفاقة!
* * *
إلهي..
شعبي يبكي
ويندب آلهة
* * *
للآخرين أيها الوطن
خبزك وعسلك وجرار خمرك للآخرين
إلى الحروب
أبناؤك ذهبتَ بهم إلى الحروب
ورحتَ تلملم المشردين من أرصفة العالم!
لينهبوك
نهبوك
نهبوك
حتى امتدتْ أيديهم إلى الدراهم في متاحفك
هل هذه حكمة آلاف السنين!؟
يبددها الطغاة
ويدوسها نعال فرق العملة!؟
* * *
.. وكنت أزحف
فوق حقول الحنطة والشعير
أتضور جوعا
ولي دمعتان كبيرتان
اسمهما دجلة والفرات
———-


غُصِصْتُ منكَ بما لايدفع الماءُ، عجز بيت لأبي نؤاس.